بقايا فيروسات قديمة في جينوم الإنسان تتنبأ بالاستجابة للعلاج الكيميائي

قد تكشف «بقايا فيروسات» عمرها ملايين السنين سر استجابة مرضى سرطان الدم للعلاج الكيميائي؛ إذ أظهرت دراسة جديدة أن أنماط نشاط هذه التسلسلات الفيروسية القديمة داخل الجينوم، ترتبط بضعف الاستجابة للعلاج. وقد أدى إدراجها في نماذج الذكاء الاصطناعي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ بالمرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج.
وأجرى الدراسة باحثون من جامعة كينغز كوليدج لندن، حيث حللوا بيانات سريرية وبيولوجية لـ271 مريضاً مصاباً بابيضاض الدم النقوي الحاد acute myeloid leukemia (AML)، تلقوا العلاج الكيميائي المعتاد. ونُشرت النتائج بدورية «Blood Neoplasia» في أغسطس (آب) 2026، وأشارت إلى أن ما يُعرف بـ«الجينوم المظلم» قد يحمل مؤشرات إضافية تساعد مستقبلاً في تحسين اختيار العلاج وتطوير استراتيجيات أكثر تخصيصاً لمرضى سرطان الدم.
عندما لا ينجح العلاج
يبدأ سرطان الدم النقوي الحاد في نخاع العظم، ويمكن أن يتطور بسرعة ويؤثر في إنتاج خلايا الدم الطبيعية. ورغم استخدام مجموعة من الفحوصات لتقييم المرضى، فإن الأطباء لا يستطيعون حتى الآن التنبؤ بدقة بمن سيستجيب للعلاج الكيميائي ومن سيصاب بمرض مقاوم للعلاج.
وفي بعض الحالات لا يحقق المريض هدأة كاملة رغم تلقي العلاج. وتُعرف الحالة باسم ابيضاض الدم النقوي الحاد المقاوم للعلاج، ما يجعل اختيار الاستراتيجية العلاجية المناسبة تحدياً كبيراً.
ولبحث إمكانية تحسين التنبؤ، طور العلماء 3 نماذج متعددة الطبقات للتعلم الآلي أضافوا إليها تدريجياً أنواعاً مختلفة من المعلومات السريرية والبيولوجية، أما النموذج النهائي فأضيفت إليه بيانات تتعلق بنشاط بقايا الفيروسات القديمة الموجودة في الجينوم.
فيروسات من الماضي داخل جيناتنا
تعرف هذه البقايا باسم الفيروسات القهقرية الداخلية endogenous retroviruses (ERVs) وهي أجزاء متبقية من فيروسات قديمة أصابت أسلاف الإنسان قبل ملايين السنين، ثم اندمجت في المادة الوراثية وأصبحت جزءاً من الجينوم البشري.
وتوجد هذه التسلسلات بصورة رئيسية في الأجزاء غير المشفرة من الجينوم، وهي مناطق لا يزال العلماء لا يفهمون جميع وظائفها بشكل كامل، ويُشار إلى بعضها أحياناً باسم «الجينوم المظلم» (dark genome).
ولا تعني هذه البقايا بالضرورة وجود عدوى فيروسية نشطة، لكن نشاطها يمكن أن يؤثر في عدد من العمليات البيولوجية بما في ذلك تنظيم تشغيل الجينات والإشارات المناعية والالتهابية.
الذكاء الاصطناعي يكشف إشارة إضافية
وعندما أضاف الباحثون معلومات نشاط الفيروسات القهقرية الداخلية إلى البيانات السريرية والجزيئية الأخرى، تحسنت قدرة النموذج على التنبؤ باستجابة المرضى للعلاج الكيميائي.
كما سجل النموذج النهائي عدداً أقل من النتائج الإيجابية الكاذبة؛ أي الحالات التي يتنبأ فيها النموذج خطأً بأن المريض سيصاب بمرض مقاوم للعلاج رغم احتمال استجابته للعلاج الكيميائي.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تشير إلى أن المعلومات المخفية في أجزاء من الجينوم التي غالباً ما تحظى باهتمام أقل، قد تضيف قيمة إلى الأساليب التقليدية التي تركز على الجينات المعروفة.
هل تحاكي الخلايا عدوى فيروسية؟
يعتقد العلماء أن أحد التفسيرات المحتملة يرتبط بظاهرة تُعرف باسم «المحاكاة الفيروسية» (viral mimicry)، حيث تتصرف الخلية كما لو أنها تواجه نشاطاً فيروسياً حقيقياً. وقد يؤدي ذلك إلى تنشيط إشارات مناعية والتهابية داخل الخلية؛ وهي عمليات قد تساعد وفق الفرضية التي يدرسها الباحثون في الحفاظ على بعض خلايا سرطان الدم في حالة تجعلها أكثر مقاومة للعلاج الكيميائي.
لكن الدراسة لا تثبت حتى الآن أن نشاط هذه التسلسلات الفيروسية هو السبب المباشر لمقاومة العلاج، لذا تحتاج هذه الآلية إلى مزيد من الأبحاث والتجارب لتأكيدها.
وقال الدكتور محمد مهدي كريمي كبير المحاضرين في المعلوماتية الحيوية بجامعة كينغز كوليدج لندن والمؤلف الرئيسي للدراسة، إن معظم أبحاث السرطان تركز على الجينات التقليدية، بينما تظل أجزاء كبيرة من «الجينوم المظلم» أقل دراسة. وأضاف أن النتائج تشير إلى إمكانية استخدام بصمة مستمدة من التسلسلات الفيروسية القديمة، إلى جانب بيانات التعبير الجيني التقليدية للمساعدة في التنبؤ بالاستجابة للعلاج.
خطوة نحو علاج أكثر تخصيصاً
يؤكد الباحثون أن النتائج لا تعني أن تحليل الفيروسات القهقرية الداخلية أصبح اختباراً سريرياً جاهزاً لاتخاذ قرارات علاجية؛ فلا تزال هناك حاجة إلى دراسات سريرية أكبر للتحقق من دقة النموذج وفائدته لدى مجموعات مختلفة من المرضى.
وقد حصل الباحثون على بيانات المرضى من تجربة «Beat AML»، وهي دراسة بارزة في مجال الطب الدقيق لسرطان الدم أُطلقت عام 2016.
ويرى الباحثون أن دمج إشارات «الجينوم المظلم» مع المعلومات السريرية والجينية التقليدية قد يساعد مستقبلاً في التعرف المبكر على المرضى الأكثر عرضة لمقاومة العلاج ويدعم تطوير استراتيجيات علاجية أكثر تخصيصاً لسرطان الدم النقوي الحاد.
aawsat.com