
بعد مئة يوم على انطلاق حرب إيران في 28 فبراير/شباط 2026، لم تعد الحصيلة الإسرائيلية تُقرأ من زاوية الضربة الافتتاحية أو الاستعراض العسكري الأمريكي الإسرائيلي الذي رافق بداية العملية. فتلك اللحظة صنعت انطباعا أوليا بالقوة والاختراق والقدرة على نقل الحرب إلى العمق الإيراني، لكنها لم تكن كافية لتحديد النتيجة.
فالحرب، كما تكشف المصادر الإسرائيلية الأقرب زمنيا إلى مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار، لم تُغلق الملف النووي، ولم تُنه معادلة الصواريخ الباليستية، ولم تمنح الجمهور الإسرائيلي شعورا واضحا بالنصر. كما أنها فتحت ملفا اقتصاديا واجتماعيا ثقيلا، ووسعت معنى المواجهة ليشمل حزب الله وجبهات الإسناد المرتبطة بإيران.
تقوم الحصيلة الإسرائيلية، كما تعكسها الصحافة ومراكز الأبحاث ومؤسسات الدولة، على مفارقة مركزية: حققت إسرائيل إنجازا عملياتيا مهما، لكنها لم تنجح بعد في تحويله إلى نتيجة إستراتيجية حاسمة. ولهذا يبدو ميزان الربح والخسارة أقرب إلى معادلة "إنجاز مؤجل" مقابل "كلفة مفتوحة"، لا إلى نصر صاف أو إخفاق كامل.
في تقييم معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، وهو أحد أبرز مراكز التفكير القريبة من نقاشات المؤسسة الأمنية في تل أبيب، تبرز جملة تصلح مدخلا لفهم الحرب بعد مرور الوقت: "حرب زئير الأسد، الحرب مع إيران ووكلائها، لم تنته بعد".
الورقة التي أعدها اللواء احتياط تامير هايمان، مدير المعهد الحالي ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية "أمان" سابقا، ونُشرت في 17 مايو/أيار 2026، تنقل النقاش من سؤال "ماذا دمرت إسرائيل في إيران؟" إلى سؤال أعمق: هل أنتجت الحرب ردعا طويل المدى، أم فتحت مرحلة مستمرة من المنع والاستنزاف؟
بحسب هايمان، فإن إسرائيل استعادت "الردع التكتيكي"، لكنها لم تصل بعد إلى مفترق الحسم الإستراتيجي أمام التحدي النووي الإيراني. أهمية هذا التقدير أنه يضع الربح الإسرائيلي في حجمه الصحيح: قدرة على الضرب، وتفوق استخباري وجوي، وشراكة عسكرية غير مسبوقة مع الولايات المتحدة، من دون قدرة مؤكدة على إنهاء التهديد.
في ميزان الربح، أظهرت إسرائيل قدرة بعيدة المدى على ضرب العمق الإيراني وفرض كلفة مباشرة على طهران. وهذا مكسب مهم في عقل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لأنه يعيد ترميم صورة القدرة بعد اهتزازات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023. غير أن ميزان الخسارة يبدأ من النقطة نفسها: القدرة على الضرب لا تعني القدرة على الإنهاء.
إعلانتظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية هذه الفجوة بوضوح، ففي استطلاع نشره المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في 14 أبريل/نيسان 2026، بعد وقف إطلاق النار، قال نصف المستطلعين تقريبا إن الوضع الإستراتيجي الأمني لإسرائيل تحسن بعد العملية العسكرية، في حين رأى رُبعهم أنه لم يتغير، ورأى آخرون أنه تدهور.
غير أن الرقم الأكثر دلالة كان الفجوة بين الجيش والحكومة: 92% من الإسرائيليين منحوا الجيش تقييما عاليا على إدارة العملية، مقابل 38% فقط قيّموا أداء الحكومة بصورة مشابهة. وهذا يعني أن الجمهور الإسرائيلي ميز بين "الأداء العسكري" و"الإنجاز السياسي"، ومنح الأول ثقة واسعة، فيما أبقى الثاني موضع شك.
في 8 أبريل/نيسان 2026، نشر جوناثان ليس في صحيفة هآرتس الإسرائيلية مقالا بعنوان: "نتنياهو وضع ثلاثة أهداف للحرب، ولم يتحقق أي منها حتى الآن". وبحسب ليس، أوضح نتنياهو للجمهور في 12 مارس/آذار ثلاثة أهداف مركزية: منع إيران من تطوير سلاح نووي، ومنعها من تطوير صواريخ باليستية تهدد إسرائيل والولايات المتحدة والعالم، وإنهاء التهديد الإيراني.
أهمية هذا الاقتباس أنه لا يهاجم الحرب من خارج منطقها، وإنما يقيسها بأهدافها المعلنة. وبعد مئة يوم، تبدو هذه الأهداف معلقة. فقد ألحقت إسرائيل ضررا بقدرات إيرانية، لكنها لم تحصل على إعلان تفكيك البرنامج النووي، ولم تقض على قدرة الصواريخ، ولم تخرج إيران من معادلة التهديد.
بهذا المعنى، فإن الردع الذي أنتجته الحرب ردع جزئي: قوي بما يكفي لإثبات القدرة، وغير مكتمل بما يكفي لإثبات الحسم.
في اليوم نفسه، كتب المحلل العسكري في هآرتس، أنه من الصعب ترجمة التفوق الجوي المطلق للولايات المتحدة وإسرائيل وسلسلة الضربات القوية التي مُني بها الإيرانيون إلى نصر حاسم في الحرب.
ورأى هرئيل أن نقطة تحول قد تأتي لاحقا، لكنها لم تكن واضحة في تلك اللحظة، مشبها وعود الحسم بما تكرر في غزة من تأجيل دائم لموعد النصر.
ويعزز هذا الانطباع استطلاع "كان 11" الذي نشره يوآف كراكوفسكي في 27 أبريل/نيسان 2026. فقد أظهر أن 57% من الجمهور يعتقدون أن إسرائيل لم تنتصر في أي ساحة من ساحات الحرب منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول، وأن 16% فقط رأوا أنها انتصرت في إيران، و14% فقط رأوا أنها انتصرت في لبنان.
كما قال 73% إن بقاء حزب الله أو حركة حماس مسلحين يشكل خطرا لتكرار هجوم شبيه بالسابع من أكتوبر/تشرين الأول. الدلالة هنا أن الجمهور الإسرائيلي لا يقيس النصر بعدد الضربات، وإنما بسؤال نزع قدرات العدو. وبما أن حزب الله وحماس وإيران ما زالوا في نظره قادرين على التهديد، فإن صورة النصر تظل ناقصة.
تضيف استطلاعات معهد دراسات الأمن القومي طبقة مهمة إلى الصورة العامة. ففي استطلاع أجراه المعهد بعد نحو شهر من بدء الحملة، في 29 و30 مارس/آذار 2026، ظهر أن الجمهور أصبح أكثر حذرا في تقييم حجم الضرر الذي لحق بالمشروع النووي الإيراني ومنظومة الصواريخ والنظام الإيراني.
إعلانفقد قدّر 48% فقط من الجمهور أن المشروع النووي الإيراني سيتعرض لأضرار جسيمة خلال الحملة، منهم 39% توقعوا أضرارا كبيرة، و9% فقط توقعوا "تفكيكا كاملا للمشروع". في المقابل، توقع 45% أن تكون الأضرار طفيفة أو ألا تحدث أضرار على الإطلاق.
هذه الأرقام شديدة الأهمية؛ لأنها تضرب مركز خطاب الإنجاز، وحتى بعد شهر من الحرب، لم تتشكل أغلبية إسرائيلية واثقة من تفكيك المشروع النووي.
وفي منظومة الصواريخ الباليستية، أظهر الاستطلاع نفسه تراجع نسبة من قدروا حدوث أضرار جسيمة من 58.5% إلى 73%. كما تراجع تأييد مواصلة الحملة حتى إسقاط النظام من 63% في الأيام الأولى إلى 54% بعد نحو أسبوعين، ثم إلى 45.5% في الاستطلاع اللاحق.
هذا المسار يكشف انحسار "منطق الذهاب إلى النهاية" كلما طالت الحرب وظهرت حدود القوة الجوية.
في ملف البرنامج النووي، تبدو الخلاصة الإسرائيلية الأكثر تعقيدا. فالضربات قد تكون أخرت بعض القدرات، لكنها لم تنتج تفكيكا نهائيا، ولم تُنه سؤال اليورانيوم المخصب.
لذلك نشرت هآرتس لمراسلها العسكري يانيف كوبوفيتش في 1 مايو/أيار 2026 تقديرا منسوبا إلى كبار في الجيش والمؤسسة الأمنية جاء فيه: "من دون تفكيك النووي ومعالجة اليورانيوم المخصب، ستُعد الحملة في إيران فشلا". قيمة هذا الاقتباس أنه يضع معيارا صارما للنجاح، يتجاوز صور الطائرات والانفجارات إلى سؤال النتيجة النهائية.
في الاتجاه نفسه، نشر معهد دراسات الأمن القومي ورقة بعنوان "خطوط أساس لإستراتيجية تعامل إسرائيل مع التهديد النووي الإيراني في ختام حرب زئير الأسد"، كتبها تامير هايمان والدكتور راز تسيميت، رئيس برنامج إيران في المعهد.
تحذر الورقة من أن النظام في طهران، إذا نجا من الحرب، قد يتبنى عقيدة أمن قومي تستند إلى السلاح النووي بوصفه "قدرة الردع الوجودية الوحيدة". وهذا هو أخطر ما في ميزان الربح والخسارة: قد تكون إسرائيل أخرت المشروع النووي تقنيا، لكنها ربما عززت لدى طهران الاستنتاج الإستراتيجي بأن امتلاك قدرة نووية هو الضمانة الوحيدة لمنع حرب مماثلة مستقبلا.
وتذهب ورقة هايمان في "ملخص المرحلة الأولى" إلى أبعد من ذلك حين تشير إلى أن إيران استطاعت، بعد الحرب السابقة، التعافي أسرع من المتوقع في مكونات أمنها القومي: في المجال النووي عبر ترميم فوردو وتسريع بناء "هار ماكوش"، وفي مجال الصواريخ عبر إنتاج يقارب 125 صاروخا شهريا، وفي مجال الحلفاء عبر إعادة تأهيل حزب الله وتمويله وتجديد طرق الإمداد عبر سوريا.
هذه الأرقام تعزز فكرة أن الضربة، مهما كانت واسعة، لا تكفي إذا بقيت قدرة إعادة البناء قائمة.
وهنا يتحول الربح العسكري إلى معضلة إستراتيجية، فكل ضربة ناجحة تثبت هشاشة إيران أمام القوة الأمريكية الإسرائيلية، لكنها قد تقنعها أكثر بالحاجة إلى مظلة ردع قصوى، لذلك لا يكفي القول إن إسرائيل ضربت البرنامج النووي، السؤال الأهم هو ما إذا كانت قلصت الدافع النووي الإيراني أم عززته.
اقتصاديا، تبدو الخسارة أكثر قابلية للقياس بالأرقام، فبنك إسرائيل أشار في قراره الصادر في 30 مارس/آذار 2026 إلى أن لعملية "زئير الأسد" آثارا اقتصادية واسعة على النشاط الحقيقي، وأن حالة عدم اليقين الجيوسياسية زادت منذ بداية العملية، خصوصا بشأن مدة القتال وشدته وطريقة انتهائه. هذه ليست صياغة صحفية عابرة، بل قراءة المؤسسة النقدية الرسمية التي تدير الفائدة والاستقرار المالي.
وفي 4 مايو/أيار 2026، أعلن بنك إسرائيل تمديد خطة المساعدة المصرفية للعملاء المتضررين من العملية. جاء الاقتباس الأهم في بيان البنك على لسان محافظ بنك إسرائيل، البروفيسور أمير يارون، الذي قال إن "استمرار القتال يبرز أهمية مساعدة الأسر والشركات المتضررة على اجتياز هذه الفترة".
إعلانكما قال المشرف على البنوك دانيال ححيشفيلي إن "المعركة لم تنته بعد"، ولذلك تقرر تمديد خطة المساعدة. دلالة البيان أن الأثر الاقتصادي لم ينتهِ بوقف النار، وأن الدولة اضطرت إلى إبقاء قنوات سيولة للأسر والشركات الصغيرة.
وتكشف تفاصيل الخطة عمق الضغط: تأجيل أقساط الرهن العقاري للأسر التي تضررت منازلها أو أُجليت، وتأجيل قروض استهلاكية حتى 100 ألف شيكل (نحو 33 ألف دولار)، وتأجيل قروض للشركات الصغيرة حتى سقف مليوني شيكل (نحو 678 ألف دولار)، مع إعفاءات محددة لأصحاب الأعمال من جنود الاحتياط. هذه أرقام لا تخص الاقتصاد الكلي فقط، بل تكشف انتقال الحرب إلى حياة الأسر والعمال وأصحاب المصالح.
أما على مستوى التوقعات الكلية، فقد نقل الكاتب أدريان فيلوت في كالكاليست ، مطلع يونيو/حزيران 2026، عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) أن الاقتصاد الإسرائيلي سينمو هذا العام بنسبة 3.3% فقط على خلفية الحرب مع إيران والاضطرابات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مقابل توقع تعافٍ إلى 5.6% في 2027.
وتأتي أهمية هذا الرقم أنه يأتي قريبا من عتبة الـ100 يوم، ولا ينتمي إلى توقعات الضربة الافتتاحية، بل إلى قراءة لاحقة تقيس أثر القتال على مجمل السنة.
ويوضح فيلوت أن الاقتصاد الإسرائيلي كان قبل الحرب في مسار تسارع بقيادة القطاع الخاص، مع توسع الإنتاج الصناعي بمعدل سنوي بلغ 11% في الأشهر الثلاثة المنتهية في يناير/كانون الثاني 2026، وارتفاع مشتريات بطاقات الائتمان بنسبة 9.2% في فبراير/شباط، وانخفاض البطالة من 3.2% في ديسمبر/كانون الأول 2025 إلى 2.6% في فبراير/شباط 2026.
بهذا المعنى، لم تضرب الحرب اقتصادا راكدا، بل قطعت مسار تعاف كان يتبلور بعد صدمات ما بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول.
ويشرح المقال نفسه آلية الضرر فقد أُغلقت المدارس، ونُقل عمال إلى الاحتياط، وتراجعت ثقة المستهلكين في مارس/آذار وبقيت ضعيفة في أبريل/نيسان.
كما ارتفع مؤشر مقايضة مخاطر الائتمان (CDS) بنحو 20 نقطة أساس في أواخر فبراير/شباط وأوائل مارس/آذار، قبل أن يعود في أبريل/نيسان إلى مستويات يناير/كانون الثاني.
تكتمل الصورة الاقتصادية مع قانون المساعدة للأعمال، الذي كتب عنه الكاتبان تسفي زرحيا وشلومو تايتلباوم في كالكاليست يوم 4 مايو/أيار 2026، بعد شهرين من اندلاع الحرب مع إيران.
ودلالة هذا المصدر أنه ينقل الحرب من خانة الصدمة العسكرية إلى خانة التشريع المالي، فقد صُودق على المخطط في الكنيست بالقراءتين الثانية والثالثة، ويشمل مساهمة الدولة في النفقات الثابتة والأجور، وتعويضا للشركات المتوسطة التي يتراوح حجم مبيعاتها بين 300 ألف (نحو 100 ألف دولار) و400 مليون شيكل (نحو 135 مليون دولار)، مع إمكانية زيادة نطاق التعويض عن النفقات الثابتة بنحو 25%.
الأهم أن المخطط يعترف بتضرر الشركات حتى حين بقي الموظفون في أماكنهم، فالصيغة التي يشرحها زرحيا وتايتلباوم تقوم على أن العمل قد يستمر شكليا، لكن الزبائن لا يأتون، فتنهار المبيعات. لذلك قررت الدولة المشاركة في تكلفة الأجور، بحيث تُضرب نسبة انخفاض النشاط في 75% من تكلفة أجر العامل.
هنا تظهر الكلفة الاجتماعية للحرب: الدولة لا تعوض فقط مبنى تضرر أو مركبة احترقت، بل تحاول منع انقطاع العلاقة بين العامل وصاحب العمل.
وبالنسبة للشمال، يكشف تقرير كالكاليست أن خطة التعويضات كانت أكثر سخاء، وأن تعريف "خط النزاع" وُسّع ليشمل عكا وصفد وكرميئيل وكاتسرين وروش بينا وحاتسور هغليليت ومجدل شمس وكيدمات تسفي وعين زيفان.
هذه نقطة مهمة لأنها تربط حرب إيران بجبهة حزب الله: الخسارة الاقتصادية لم تتركز في تل أبيب أو المركز فقط، بل امتدت إلى اقتصاد الشمال، حيث يتداخل أثر إيران مع أثر لبنان.
وتكشف دراسة "الوضع المالي للعمال بعد عامين ونصف من اندلاع حرب السيف الحديدي"، التي أعدها الباحثان دافنا أفيرام-نيتزان وإيدو كاتوسزوسكي للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية عام 2026، بعدا اجتماعيا أعمق.
وأهمية هذه الدراسة أنها أُعدت كمواد أساسية لجلسة "إعادة ال&