ساعة العالم على الطاولة السودانية
أحمد عثمان جبريل
ثمة لحظات في حياة الأمم لا تكون المشكلة فيها غياب الحلول، بل غياب القرار. لحظات يصبح فيها الطريق معروفًا، والعقبات مرئية، والمخاطر واضحة، لكن الجميع يظل واقفًا عند عتبة الاختيار. والسودان اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة؛ لحظة لم يعد السؤال فيها ماذا يجب أن يحدث، بل من يملك الإرادة ليفعله.
إن العالم لم يعد مستعداً لانتظار السودان إلى ما لا نهاية، وأن الأزمة التي تحولت إلى مأساة إنسانية وسياسية وأمنية باتت تقترب من لحظة اختبار حقيقية عنوانها الزمن..
ستة أشهر فقط وُضعت أمام السودانيين كنافذة للعبور من الحرب إلى السياسة، ومن الانقسام إلى التوافق، ومن الدولة المنهكة إلى الدولة القابلة للحياة من جديد.
❝ إن الخطر لا يكمن في أن تسير ببطء، بل في أن تظل واقفًا.❞
— كونفوشيوس
(1)
ليست أهمية الأشهر الستة في عددها، وإنما في معناها السياسي.. فحين يحدد المجتمع الدولي سقفًا زمنيًا، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الصبر على الأزمة السودانية لم يعد مفتوحاً كما كان من قبل. فالعالم الذي ظل يراقب الحرب بقلق متزايد بات يبحث عن مخرج، لا عن جولة جديدة من الانتظار.
(2)
لقد دفع السودان والسودانيين أثماناً باهظة خلال هذه الحرب.. مدن مدمرة، وملايين النازحين، واقتصاد (مقعد تماما) تحت وطأة الانهيار، ونسيج اجتماعي أصابته شروخ عميقة.. ولم تعد المأساة مجرد شأن سوداني داخلي، بل تحولت إلى قضية إقليمية ودولية تفرض نفسها على أجندة العالم بحكم آثارها وتداعياتها.
(3)
نعم.. الأزمة في جوهرها، لم تعد أزمة أفكار أو مبادرات.. فالحلول الكبرى باتت معروفة، والعناوين الرئيسية للمرحلة المقبلة أصبحت واضحة للجميع: “وقف الحرب، وإطلاق عملية سياسية شاملة، والاتفاق على ترتيبات انتقالية تفضي إلى حكم مدني مشروع”.. ولذلك فإن المشكلة الحقيقية لم تعد في غياب الرؤية، وإنما في غياب القرار الذي يحول الرؤية إلى واقع.
(4)
وهنا تتكشف الحقيقة الأكثر وضوحاً في المشهد كله.. فبحكم الأمر الواقع، لا تزال كل الطرق المؤدية إلى الانتقال السياسي تمر عبر المؤسسة العسكرية والسلطة القائمة (سلطة الأمر الواقع).. ولهذا فإن السؤال الذي يطارد الأشهر الستة المقبلة ليس ما الذي ستفعله القوى السياسية وحدها، بل ما إذا كانت السلطة الحالية مستعدة لفتح الطريق أمام المرحلة الجديدة.. وهذا جوهر القضية.
(5)
ومن بين جميع الأسئلة المطروحة، يظل سؤال البرهان هو الأكثر حساسية وتأثيرًا.. هل سينظر إلى هذه المبادرة باعتبارها فرصة لإنقاذ الدولة السودانية وإخراجها من دوامة الحرب والاستنزاف؟ أم سيراها بوصفها مشروعًا قد يفضي إلى إعادة تشكيل موازين القوة وتقليص نفوذ السلطة القائمة؟ بين هذين الخيارين تتحدد ملامح المستقبل القريب للبلاد.
(6)
لقد نجحت القوى الحاكمة طويلاً في شراء الوقت، لكن المشكلة أن الوقت نفسه بدأ ينفد.. فالأسئلة التي جرى تأجيلها عاماً بعد عام عادت اليوم أكثر إلحاحاً وأعلى كلفة.. وما كان ممكناً بالأمس قد لا يكون ممكناً غداُ.. ولذلك فإن الرهان على المماطلة لم يعد رهاناً على الوقت بل على البقاء لأنه بات غير مضمون النتائج، بل وفي أدنى آثاره قد يتحول إلى مصدر إضافي للأزمة نفسها.
(7)
لهذا تبدو الأشهر الستة المقبلة وكأنها امتحان شخصي للبرهان.. نعم للبرهان شخصيا لا غيره بقدر، ما هي امتحان للدولة السودانية.. فإذا امتلك الجنرال البرهان شجاعة الانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها، وفتح الممرات السياسية المؤدية إلى المستقبل، فقد يدخل التاريخ من باب رجل ساعد وطنه على الخروج من أخطر منعطفاته.. أما إذا استمر في تردده كما إعتاد، أو عاد إلى سياسة كسب الوقت، فقد يجد نفسه أمام مشكلات وضغوط وتعقيدات لم يعد بالإمكان احتواؤها بالأساليب القديمة.
ما نود قوله هنا، ليست القضية قضية مبادرة دولية، ولا مهلة زمنية، ولا حتى توافق سياسي فحسب.. القضية أن السودان يقف اليوم أمام باب مفتوح، لكنه لا يملك ترف الوقوف طويلًا على عتبته.
لقد وضع العالم ساعته على الطاولة السودانية، وبدأت عقاربها في الحركة.. والسؤال الذي سيبقى معلقاً فوق المشهد كله ليس كم تبقى من الوقت، بل من يملك الشجاعة لالتقاط اللحظة قبل أن تتحول الفرصة إلى حسرة جديدة في سجل وطن أتعبته الحروب وأرهقه الانتظار.. فقد علمتنا التجارب أن التاريخ لا يحاسب القادة على عدد الفرص التي أُتيحت لهم، بل على ما فعلوه عندما جاءت الفرصة الأخيرة..
إنا لله ياخ.. الله غالب.
altaghyeer.info