
تشهد تجارة المخدرات وتعاطيها في العاصمة السودانية الخرطوم توسعاً متسارعاً، في ظل تحذيرات رسمية من تحولها إلى تهديد مباشر لمستقبل الشباب، بينما أسهمت الحرب في إضعاف أجهزة الرقابة والعلاج، ووفرت بيئة مواتية لنشاط شبكات التهريب والترويج داخل الشوارع والمقاهي ومحيط المؤسسات التعليمية.
وكشفت جولة ميدانية أجرتها «الشرق الأوسط» في مواقع مطلة على نهر النيل بالخرطوم، عن توافد عشرات الأشخاص، غالبيتهم من الشباب، إلى المنطقة يومياً بين التاسعة صباحاً والواحدة ظهراً للحصول على جرعاتهم المخدرة، وذلك رغم عودة الحكومة إلى العاصمة بعد استعادتها من «قوات الدعم السريع».
وقال مدير الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، اللواء محمد أحمد الأمين، إن شبكات الترويج تعمل عادة في الخفاء، إلا أن الجولة الميدانية أظهرت أن عمليات البيع والتعاطي تتم في العلن، حتى إن دخان الحشيش يغطي المكان.

ورصدت «الشرق الأوسط» أحد المروجين، وهو رجل في الخمسين من عمره يرتدي ملابس أنيقة ونظارة سوداء ويحمل حقيبة تبدو وكأنها لحاسوب محمول، لكنها كانت تحتوي على أنواع مختلفة من المخدرات الطبيعية والمصنعة. وشاهدت أحد الشباب يقترب منه، ويتبادل معه التحية، ثم يسلمه مبلغاً من المال مقابل حبوب يُرجح أنها مواد مخدرة.
وفي موقع آخر بين الأشجار التي نجت من نيران الحرب، توقفت شابة عشرينية بسيارتها التي بدت عليها آثار الرصاص، وتبادلت المزاح مع أحد الأشخاص قبل أن يسلمها كيساً أبيض صغيراً ويهمس لها بشيء، لتغادر المكان سريعاً.
وأكد شهود عيان أن عمليات الشراء تتم في غضون دقائق بعد مكالمة هاتفية مسبقة لتحديد نوع المخدر ومكان التسليم، فيما يغيّر المروجون مواقعهم باستمرار لتفادي كمائن الشرطة.
كما تنشط تجارة المخدرات داخل بعض المقاهي، حيث تُسلَّم المواد المطلوبة عبر خدمة «الدليفري»، مقابل أسعار أعلى بسبب مخاطر التوصيل، وتتراوح تكلفة الجرعة الواحدة بين 15 و50 جنيهاً، أي ما يعادل نحو 3 إلى 10 دولارات أميركية.
وسبق لوالي الخرطوم أحمد عثمان حمزة أن أقر بوجود تجارة وتعاطٍ للمخدرات داخل بعض المقاهي، محذراً من امتداد الظاهرة إلى المؤسسات التعليمية والأطفال، ومشيراً إلى أن الطبيعة الجغرافية للعاصمة واتساعها أسهما في تنامي نشاط التصنيع والاتجار والتعاطي.
ويصنف مدير دائرة الشؤون الفنية بالإدارة العامة لمكافحة المخدرات، المقدم زاهر خلف الله، المواد المخدرة إلى ثلاث فئات رئيسية: مخدرات طبيعية مصدرها النباتات، مثل القنب الذي يُستخرج منه الحشيش، وأخرى شبه مصنعة تنتج عبر معالجة مواد طبيعية كيميائياً، وثالثة صناعية أو تخليقية تُركب داخل المختبرات. وأوضح أن مصطلح «المخدرات» يُستخدم هنا بمعناه الشائع ليشمل مواد متفاوتة التأثير، من بينها المثبطات والمنشطات والمواد المهلوسة.

وأشار خلف الله إلى أن أبرز المواد الصناعية المنتشرة في الخرطوم هي مادة «الآيس» أو الميثامفيتامين البلوري، المعروفة محلياً باسم «الشبو»، وهي منشط شديد التأثير في الجهاز العصبي المركزي، وتأتي على هيئة بلورات شفافة تشبه الثلج أو حجر الشب، لذلك يطلق عليها المتعاطون والمروجون أسماء مثل «الثلج» و«الشيطان». وأضاف أن تعاطي هذه المادة يتم عبر البلع أو الاستنشاق أو التدخين أو الحقن، وقد يسبب الهلوسة والاضطرابات النفسية، إلى جانب أضرار جسيمة تصيب الأنف والرئتين والكبد والكليتين والأسنان والقلب والدماغ، فيما قد تؤدي الجرعات الزائدة إلى الوفاة.
وأوضح المقدم خلف الله أن ارتفاع سعر «الآيس» دفع بعض المتعاطين إلى ممارسة سلوك بالغ الخطورة يتمثل في سحب دم شخص تعاطى المادة حديثاً وحقنه في أجسادهم، اعتقاداً بأن الدم يحتفظ بجزء من المادة المخدرة، وهو ما يعرضهم لخطر الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية والتهاب الكبد الفيروسي والالتهابات البكتيرية.

ورغم أن تعاطي الجرعة الأولى من «الآيس» لا يعني بالضرورة تحول الشخص إلى مدمن، فإن الميثامفيتامين يتميز بقدرته العالية على إحداث الاعتماد النفسي والجسدي، بما يؤدي إلى فقدان السيطرة على التعاطي والاستمرار فيه رغم ما يخلّفه من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.
وأكد اللواء محمد أحمد الأمين أن انتشار المخدرات ازداد بصورة ملحوظة عقب اندلاع الحرب، واصفاً الظاهرة بأنها «معركة خفية لا تقل خطورة عن الحرب»؛ لأنها تستهدف الطاقات البشرية. واتهم «قوات الدعم السريع» بتصنيع المخدرات وتوزيعها في المناطق التي كانت تخضع لسيطرتها، مشيراً إلى ضبط مصنع للمخدرات في منطقة الجيلي شمال مدينة بحري عقب استعادتها.
وأوضح أن استراتيجية المكافحة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية، تتمثل في خفض العرض عبر منع وصول البذور إلى مناطق الزراعة، وإبادة المحاصيل، وملاحقة شبكات التهريب، وخفض الطلب من خلال حملات التوعية في المدارس ومراكز الشباب، إلى جانب علاج الإدمان بالتنسيق مع المؤسسات الصحية.
وكان اللواء الأمين قد أقر، في وقت سابق، بتورط عناصر نظامية مساندة للجيش في تجارة المخدرات، مؤكداً أن الشبكات الإجرامية تستخدم تقنيات متطورة، الأمر الذي يجعل من المستحيل على الشرطة تغطية نشاطها بالكامل.

وعلى الصعيد العلاجي، كشف وزير الصحة هيثم محمد إبراهيم عن توجه لإعادة تأهيل قسم علاج الإدمان بمستشفى التجاني الماحي، ومصحة عبد العال الإدريسي في الخرطوم، إلى جانب مراكز علاجية في بورتسودان. وأوضح أن 60 في المائة من الحالات التي تستقبلها العيادات النفسية ترتبط بالإدمان، مع تسجيل زيادة في نسب إدمان النساء، فيما بلغت نسبة التعاطي بين الفئة العمرية من 25 إلى 30 عاماً نحو 55 في المائة.
ونقلت «الشرق الأوسط» عن أحد المتعاطين أن بعض المروجين يستدرجون الشباب بمنحهم الجرعة الأولى من «الآيس» مجاناً، قبل مطالبتهم بدفع ثمن الجرعات اللاحقة، الأمر الذي يدفع بعضهم إلى السرقة أو ارتكاب جرائم للحصول على المال. وأكد المقدم خلف الله تسجيل جرائم، من بينها جرائم قتل، ارتُكبت بهدف توفير ثمن المخدرات.
كما روى أحد المتعافين، رفض كشف اسمه، أنه بدأ التعاطي قبل خمسة عشر عاماً بعد التحاقه بإحدى الجامعات العريقة في الخرطوم إثر استدراجه من قبل زميل في الكلية، وظل مدمناً طوال تلك السنوات إلى أن تلقى العلاج وتعافى في نهاية عام 2022.
وفي إطار تشديد المواجهة القانونية، أصدر مجلس الأمن والدفاع السوداني، خلال الأسبوع الحالي، قراراً بتشكيل محاكم خاصة للنظر في جرائم المخدرات، بينما تبقى مواجهة هذه الظاهرة مرهونة بتعزيز قدرات أجهزة المكافحة، وتوسيع مراكز العلاج، والتعامل مع الإدمان بوصفه قضية صحية واجتماعية وأمنية متداخلة تتطلب استجابة شاملة.
aawsat.com