
أصبح فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان الأمريكية أكثر من مجرد انتصار شخصي لمرشح تقدمي يسعى إلى دخول مجلس الشيوخ؛ فقد تحول إلى اختبار سياسي واسع حول مستقبل الحزب الديمقراطي، وحدود نفوذ التيار اليساري، وقدرته على المنافسة في الولايات المتأرجحة قبل انتخابات التجديد النصفي المقبلة والسباق الرئاسي عام 2028.
وتناولت صحف أمريكية وبريطانية عديدة هذا الفوز بالأخبار والتعليق والتحليل، وتلخصت أبرز القضايا التي أثارتها في التأثير على مستقبل الحزب الديمقراطي وسياساته تجاه إسرائيل والخدمات العامة، وتكاليف المعيشة والرعاية الصحية، وتمويل الحملات الانتخابية.
ذكرت صحيفة "واشنطن بوست"، في تقرير للكاتبين إيرين كوكس وبرافينا سوماسوندارام، أن عبدول السيد (عبد الرحمن السيد) نجح في انتزاع ترشيح الحزب الديمقراطي لمقعد مجلس الشيوخ عن ميشيغان رغم تفوق منافسته النائبة هيلي ستيفنز في الإنفاق ودعم قيادات الحزب.
وأشارت الصحيفة إلى أن السباق اكتسب أهمية وطنية لأنه عكس الانقسام المتزايد داخل الديمقراطيين حول قضايا مثل دور الشركات في السياسة، وتمويل الحملات الانتخابية، والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل.
وأشارت صحف رئيسية، وهي: واشنطن بوست، وول ستريت جورنال ، ذا هيل، نيوزويك، غارديان وفايننشال تايمز، إلى أن عبدول السيد سيواجه في الانتخابات العامة المرشح الجمهوري مايك روجرز في معركة تعد من أكثر سباقات مجلس الشيوخ تنافسا، وقد تكون حاسمة في تحديد الحزب المسيطر على المجلس.
وترى هذه الصحف أن أهمية السباق تتجاوز حدود الولاية، لأنه سيقدم مؤشرا على اتجاه الديمقراطيين بعد خسارة انتخابات عام 2024، وما إذا كانوا سيتجهون نحو اليسار أم سيعودون إلى خطاب أكثر اعتدالا لاستقطاب الناخبين المستقلين.
إعلانوذكرت أن فوز عبدول جاء بفارق ضئيل، إذ حصل على نحو 49% من الأصوات مقابل 47% لستيفنز، في مواجهة جسّدت الصراع بين جناحين داخل الحزب: تيار تقدمي يريد إعادة صياغة هوية الحزب، وتيار معتدل يرى أن الفوز يتطلب تقديم مرشحين قادرين على جذب الناخبين في الوسط.
كذلك أشارت إلى أن عبدول السيد حظي بدعم شخصيات بارزة في اليسار الديمقراطي، بينها السيناتور بيرني ساندرز والنائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز، بينما وقفت خلف ستيفنز قيادات المؤسسة الحزبية مثل زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر وحاكمة ميشيغان غريتشن ويتمر.
خيسوس ميسا:
فوز عبدول السيد شكل هزيمة سياسية لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بعدما أنفقت لجنة العمل السياسي المرتبطة بـ "أيباك" أكثر من 30 مليون دولار لدعم ستيفنز ومهاجمة منافسها
وكانت قضية إسرائيل والحرب في غزة من أبرز محاور المعركة، فقد ذكرت مجلة "نيوزويك" في تقرير للكاتب خيسوس ميسا أن فوز عبدول السيد شكّل هزيمة سياسية لجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، بعدما أنفقت لجنة العمل السياسي المرتبطة بـ"أيباك" أكثر من 30 مليون دولار لدعم ستيفنز ومهاجمة منافسها.
وأضافت المجلة أن إجمالي الإنفاق الخارجي المؤيد لستيفنز تجاوز 50 مليون دولار، في واحد من أكثر السباقات كلفة في تاريخ الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ في الولاية.
وكان عبدول السيد قد جعل معارضة المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل وانتقاد تأثير الأموال الخارجية في السياسة الأمريكية جزءا أساسيا من حملته، كما وصف الأزمة الإنسانية في غزة بأنها "إبادة جماعية". وفي المقابل، دافعت ستيفنز عن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، مؤكدة تأييدها لحل الدولتين.
وقالت صحيفة "غارديان" في تقارير للكاتبين راشيل لينغانغ وجوزيف غدعون إن انتصار عبدول السيد يمثل صعودا جديدا للتيار التقدمي الذي يطالب الحزب الديمقراطي بالتخلي عن سياسات المؤسسة التقليدية وتقديم حلول مباشرة لمشكلات الناخبين، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
وأشارت الصحيفة إلى أن حملته اعتمدت على تنظيم شعبي واسع، شمل أكثر من 500 فعالية انتخابية، وزيارة 150 كنيسة، وطرق أكثر من 200 ألف باب وإجراء أكثر من مليون اتصال هاتفي.
لكن "غارديان" حذّرت من أن الفوز بالترشيح لا يعني ضمان الفوز في الانتخابات العامة، إذ سيحتاج عبدول السيد إلى توحيد صفوف الديمقراطيين وجذب المستقلين وبعض الناخبين المحافظين في ولاية فاز بها ترمب في انتخابات سابقة.
من جانبها، رأت صحيفة "وول ستريت جورنال"، في افتتاحية لها، أن انتصار عبدول السيد يمثل دليلا على تنامي نفوذ الجناح التقدمي، لكنه لا يثبت بعد قدرته على الفوز خارج القاعدة الديمقراطية الليبرالية.
واعتبرت أن مواقفه بشأن الرعاية الصحية الشاملة وإلغاء وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية قد تكون عاملا صعبا أمامه في الانتخابات العامة.
أما "فايننشال تايمز"، فقد ركزت في تقرير للكاتبة لورين فيدور على أن سباق ميشيغان أصبح رمزا للحرب الداخلية داخل الحزب الديمقراطي، مشيرة إلى أن الإنفاق الضخم لم يمنع عبدول السيد من تحقيق الفوز. وأضافت الصحيفة أن قضية إسرائيل تحولت إلى محور انقسام عميق داخل الحزب.
إعلانوفي مقال رأي بالصحيفة نفسها، حذّر الكاتب إدوارد لوس من أن الديمقراطيين يخوضون "حربا أهلية" حول إسرائيل، بينما يتجاهلون تحديات أخرى مثل تأثير الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي في الديمقراطية. ورأى أن الخوارزميات تعزز الاستقطاب والخطابات المتطرفة على حساب النقاش العقلاني حول الاقتصاد والسياسات العامة.
وهكذا أصبحت معركة ميشيغان اختبارا مزدوجا: فهي تحدد مستقبل عبدول السيد السياسي، لكنها أيضا ستكشف ما إذا كان الحزب الديمقراطي يتجه نحو يسار أكثر جرأة، أم سيختار طريق الوسط بحثا عن الفوز في الانتخابات المقبلة.
aljazeera.net