خبر ⁄سياسي

مشاركة السودان في مؤتمر الدوحة لمكافحة الفساد: مفارقة تستحق التوقف

نشر:آخر تحديث:

 

مشاركة السودان في مؤتمر الدوحة لمكافحة الفساد: مفارقة تستحق التوقف

أحمد الزبير

30 سبتمبر 2026

في خضم الأخبار المتلاحقة عن السودان خلال شهر سبتمبر 2026؛ من الجدل حول عبد الفتاح البرهان وحضوره اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وزيارة وفد “صمود” إلى الولايات المتحدة، إلى أخبار الحرب التي لا تنقطع، ثم متلازمة المبادرات والآليات “الرباعية” و”الخماسية” وخطط وقف الحرب التي تتوالد الواحدة تلو الأخرى ــ في مشهد يعيد إلى الذاكرة، مع اختلاف الظروف والسياقات، تعدد المبادرات الإقليمية التي عرفها السودان في مطلع الألفية، ومنها المبادرتان المصرية والليبية ومحاولات التنسيق بينهما، من دون أن تقود في نهاية المطاف إلى التسوية المنشودة، إلى أن تكثفت الضغوط والجهود الدولية، ولا سيما الأمريكية، إلى جانب الوساطة الإقليمية، ودُفعت الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان إلى مسار تفاوضي انتهى بتوقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005 ــ مر خبر جانبي ربما لم يحظَ بالكثير من الاهتمام وسط كل هذا الضجيج، لكنه يستحق التوقف عنده.

هو  خبر عن مشاركة السودان في الدورة السادسة لمؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد، التي عُقدت في الدوحة خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، مفارقة مؤلمة تستحق التوقف والتأمل. معظم الدول العربيه المشاركة، من ضمنها السودان، سجلت درجات دنيا في مؤشر الفساد  الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2025. وهو يصنف 180 دولة وإقليماً وفقاً لمستويات الفساد في القطاع العام. ويعتمد المؤشر مقياساً يتراوح بين 0 و100، إذ تشير الدرجة 100 إلى قطاع عام يتسم بنزاهة عالية جداً، بينما تشير الدرجة 0 إلى قطاع عام يعاني من فساد شديد. وتصدرت الإمارات الدول العربية بـ69 نقطة، تلتها قطر بـ58 نقطة، ثم السعودية بـ57 نقطة، فيما سجلت عُمان 52 نقطة، والبحرين والأردن 50 نقطة لكل منهما، والكويت 46 نقطة. وفي المقابل، جاءت دول عربية أخرى في مستويات متدنية للغاية، إذ سجلت سورية 15 نقطة، والسودان 14 نقطة، وليبيا واليمن 13 نقطة لكل منهما.

تتكون الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد من 35 مادة، وتُعد المادة (4) الخاصة بـالتجريم من أهم موادها، لأنها تحدد الأفعال التي يتعين على الدول الأطراف أن تتعامل معها، وفقاً لأنظمتها القانونية الوطنية، باعتبارها جرائم فساد. ويمكن تصنيف الأفعال الواردة في هذه المادة في أربع مجموعات رئيسية: الفساد المرتبط بالوظيفة العامة والنفوذ، والفساد المالي والاستيلاء على الأموال والممتلكات، وإخفاء عائدات الفساد وعرقلة العدالة، ثم المسؤولية الجنائية الممتدة إلى المشاركة والشروع والمساهمة في ارتكاب هذه الجرائم.

لكن المفارقة الأساسية لا تكمن في نقص النصوص القانونية، وإنما في الفجوة بين الالتزام بالاتفاقيات والقدرة المؤسسية على تنفيذها. فعدد من الدول الأطراف تعاني بدرجات متفاوتة من ضعف مؤسسات الرقابة والمساءلة، واستقلال أجهزة إنفاذ القانون، والشفافية والوصول إلى المعلومات؛ وهي عوامل تجعل التطبيق الفعلي لأحكام مكافحة الفساد أكثر صعوبة. وحتى سبتمبر 2026، بلغ عدد الدول الأطراف في الاتفاقية 15 دولة عربية، من بينها السودان.

وتظهر هذه المفارقة بصورة واضحة في حالة السودان. فقد شارك السودان في الدورة السادسة لمؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد، التي انعقدت في الدوحة خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر 2026، بوفد رسمي برئاسة وكيل وزارة العدل ورئيس القطاع القانوني، مولانا علي خضر، وضم كذلك رئيس مفوضية مكافحة الفساد الفريق عابدين الطاهر وممثل وزارة الخارجية السفير عبد العظيم الكاروري.

وكان من أبرز أعضاء الوفد السوداني إلى مؤتمر الدول الأطراف في الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد بالدوحة الفريق شرطة عابدين الطاهر، رئيس مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة. والمفارقة هنا يصعب تجاهلها: ففي 6 مايو 2026 أصدر رئيس الوزراء كامل إدريس قراراً بتعيين عابدين الطاهر رئيساً لما أُطلق عليه آنذاك “هيئة النزاهة والشفافية”. وفي 23 مايو كان رئيس الهيئة نفسه يتحدث عن الحاجة إلى استكمال متطلبات عملها القانونية والمالية، وتوفير المقر، واستكمال العضوية والهيكل التنظيمي والوظيفي.

بل إن الرواية الحكومية الرسمية تذهب أبعد من ذلك؛ ففي 7 يوليو 2026، ظهر عابدين الطاهر بصفته رئيس “مفوضية مكافحة الفساد واسترداد الأموال العامة”، وأعلن أن المفوضية ستبدأ عملها في الأسبوع التالي. فكيف، بعد نحو شهرين فقط من بدء عمل المفوضية فعلياً، يذهب وفد رسمي إلى محفل إقليمي لمكافحة الفساد ويعلن أن السودان “أوفى بكل التزاماته الدولية والإقليمية في مكافحة الفساد”، بل ويتحدث عن “تجربة السودان الثرّة” في هذا المجال؟

ومن ثم، فإن تقديم صورة مضللة أو غير قابلة للإثبات عن أداء الدولة في مكافحة الفساد أمام المحافل الإقليمية والدولية  يتناقض مع الغاية الأساسية لمنظومة مكافحة الفساد. ربما أصبحت لكلمة “الفساد” في السودان تعريفات أخرى؛ ففي زمن الحرب والتشرد وانهيار المؤسسات  العيانية والاخلاقية، يبدو أن المعاني نفسها أصبحت قابلة لإعادة التعريف. يصبح السؤال مشروعاً: عن أي تعريف للفساد نتحدث؟ وعن أي معايير نقيس النزاهة والشفافية والمساءلة؟

فإذا كانت الدولة تقول إنها أوفت بكل التزاماتها، فمن المشروع أن نسأل: أين التقارير التي تثبت ذلك؟ وما القوانين التي جرى إنفاذها؟ وما عدد التحقيقات والمحاكمات والإدانات في قضايا الفساد؟ وما حجم الأموال العامة التي تم استردادها؟ وما مدى استقلال مفوضية مكافحة الفساد وأجهزة الرقابة والتحقيق؟ وهل يستطيع المواطن والصحفي ومنظمات المجتمع المدني الوصول إلى المعلومات المتعلقة بإدارة المال العام؟ هذه ليست أسئلة نظرية، بل هي المعايير العملية التي يمكن من خلالها اختبار الادعاء بالوفاء بالالتزامات ، فإن مجرد إعلان الوفاء بالالتزامات لا يكفي لإثباته.

اضف الي ذلك ان السودان هو دولة طرف في اتفاقية الاتحاد الأفريقي لمنع الفساد ومكافحته، بعد أن صادق عليها في سبتمبر 2018 وأودع وثيقة التصديق في ديسمبر من العام نفسه. ومن ثم فإن السؤال ليس ما إذا كان السودان قد أعلن التزامه بمكافحة الفساد، وإنما إلى أي مدى نفّذ الالتزامات التي قبل بها قانوناً: أين التقارير الدورية المقدمة إلى المجلس الاستشاري للاتحاد الأفريقي لمكافحة الفساد؟ لا توجد تقارير سودانية منشورة ضمن التقارير المتاحة للجمهور.

وتكتسب هذه المفارقة أهمية أكبر عند النظر إلى مسار السودان في مؤشر  الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية. فقد شهدت سنوات ما بعد سقوط نظام عمر البشير تحسناً في درجة السودان، وبلغ المؤشر أعلى مستوياته في هذه الفترة عند 22 نقطة من 100 في عام 2022. نتيجة للتحسن الذي شهدته الفترة الانتقالية 2019–2021، والمحاولات الجادة لإعادة بناء منظومة المساءلة، وملاحقة بعض أشكال الفساد المرتبطة بالنظام السابق، واسترداد الأموال والأصول العامة. لكن انقلاب أكتوبر 2021 أدى إلى تعليق مؤسسات وآليات مهمة لمكافحة الفساد، بما في ذلك لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال العامة.

ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، أصبح التراجع أكثر وضوحاً. انخفضت درجة السودان في مؤشر  الفساد من 22 نقطة في 2022 إلى 20 في 2023، ثم إلى 15 نقطة فقط في 2024. وهذا التراجع يتزامن مع انهيار واسع في مؤسسات الدولة والرقابة والمساءلة، وتوسع اقتصاد الحرب والأنشطة الاقتصادية التي يصعب إخضاعها للرقابة العامة.

لذلك فإن القضية ليست مجرد مشاركة السودان في مؤتمر دولي لمكافحة الفساد، وإنما السؤال الأهم هو: ما مدى استقلال وفاعلية المؤسسات السودانية الحالية المعنية بمكافحة الفساد؟ وما هي آليات المساءلة والشفافية المتاحة لها في ظل الحرب وغياب مؤسسات مدنية وتشريعية مستقلة وفاعلة؟

altaghyeer.info