خبر ⁄سياسي

تأسيس والحوار السوداني: بين ضرورة الشمول وخطر شرعنة الانقسام

نشر:آخر تحديث:

 

“تأسيس” والحوار السوداني: بين ضرورة الشمول وخطر شرعنة الانقسام

الواثق كمير

[email protected]

تورونتو، 8 أكتوبر 2026

 

يجيء هذا المقال استكمالاً للنقاش الذي أثاره مقالي السابق، *”أي حوار سوداني نريد؟ بين المخاوف المشروعة وشروط المصداقية”* (سودانايل، 13 أغسطس 2026)، وفي أعقاب سؤال مهم وردني من صديق عزيز من القيادات المدنية البارزة في تحالف *تأسيس”*، تساءل فيه عمّا إذا كان حديثي عن الحوار السوداني قد تجاهل وجود “تأسيس”، وما إذا كان الحوار المقصود يعني مشاركة الجميع ما عداها، وهل يمكن لحوار لا يشمل التحالف أن يحقق الغرض الأساسي، أي وقف الحرب. كما عبّر عن خشيته من أن يُفهم المقال، من دون توضيح هذه النقطة، كترويج مبطن لدعوة الفريق البرهان للحوار.

وهذا سؤال مشروع، لأنه يضعنا أمام واحدة من أكثر قضايا الحوار السوداني تعقيداً: كيف نجمع بين ضرورة الشمول، حتى لا يتحول الحوار إلى لقاء بين المتفقين وحدهم، وبين ضرورة ألا يتحول الشمول نفسه إلى اعتراف بسلطات موازية نشأت عن الحرب، أو إلى مدخل لشرعنة الانقسام، أو لإدخال القوى المسلحة إلى الحوار السياسي من باب خلفي؟

لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال بنعم أو لا، وكأن الأمر يتعلق بدعوة حزب سياسي عادي إلى طاولة سياسية عادية. فالمسألة هنا أعقد من ذلك. “تأسيس” ليست مجرد تيار سياسي له موقف من الحرب، ولا مجرد مجموعة مدنية تؤيد أحد طرفي الصراع، بل طرحت نفسها، بحسب ما أعلنته، كمنظومة سياسية وحكومية موازية، ذات دستور وهياكل ومؤسسات، في ارتباط واضح بالدعم السريع وقوى مسلحة أخرى. وهذا يجعل سؤال مشاركتها مختلفاً عن سؤال مشاركة أي حزب أو شخصية مدنية أو قوة سياسية ذات موقف من الحرب.

من حيث المبدأ، لا حوار جاداً يقوم على الإقصاء الكامل. فالحوار، في معناه الحقيقي، لا يكون بين الأصدقاء والمتفقين وحدهم، بل بين المختلفين، بل حتى بين الخصوم، متى كان الهدف هو وقف الحرب وبناء أرضية وطنية مشتركة. لكن الحوار مع الخصوم شيء، والاعتراف بسلطات موازية نشأت عن الحرب شيء آخر. كما أن فتح الباب أمام قوى وشخصيات مدنية وسياسية موجودة في معسكرات الحرب شيء، ومنح الاعتراف لكيانات عسكرية/سياسية أو حكومات موازية شيء مختلف تماماً.

وهنا ينبغي أن نفرق بين ثلاثة مستويات كثيراً ما تختلط في النقاش العام: الدعم السريع كقوة عسكرية مقاتلة، و”تأسيس” كمنظومة سياسية/وسلطة أمر واقع موازية نشأت في سياق الحرب، والأفراد أو القوى المدنية والسياسية الموجودة في محيط “تأسيس” أو القريبة منها.

لكل مستوى من هذه المستويات موقع مختلف في أي عملية جدية لوقف الحرب وبناء السلام. فالدعم السريع، بوصفه طرفاً عسكرياً في الحرب، موقعه الطبيعي هو مسار التفاوض العسكري والأمني والإنساني: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، فتح الممرات الإنسانية، الانسحاب من المدن والمرافق المدنية، الترتيبات الأمنية، مستقبل القوات، ونهاية وجود أي تشكيل مسلح خارج الجيش الوطني الواحد. وهذه قضايا لا تُحل في حوار سياسي مدني، بل في مسار عسكري/أمني واضح، مهما كان مرتبطاً سياسياً بأفق إنهاء الحرب.

أما “تأسيس”، بصفتها المؤسسية المعلنة، فالمشكلة أنها لا تقف خارج هذا المسار العسكري، بل تبدو، في بنيتها وقيادتها وسياق نشأتها، امتداداً سياسياً وسلطة موازية لواقع أنتجته الحرب. فهي لا تقدم نفسها فقط كمنبر سياسي، بل كسلطة بديلة أو موازية، لها دستور وهياكل، وترتبط بقيادة قوة مسلحة تخوض الحرب. لذلك فإن دعوتها إلى الحوار السياسي بصفتها “حكومة” أو “تحالفاً حاكماً” أو “ممثلاً” لقوة مسلحة ستعني، عملياً، منحها اعترافاً سياسياً غير مباشر، وهو ما يهدد وحدة الدولة ويكرس الأمر الواقع الذي صنعته الحرب.

وهناك أثر آخر لا يقل أهمية. فإذا دخلت “تأسيس” الحوار بصفتها كتلة سياسية–عسكرية أو حكومة موازية، فإن ذلك لا يغيّر فقط صفتها داخل الحوار، بل قد يغيّر طبيعة الحوار نفسه، فيتحول من مسار سياسي واسع بين قوى مدنية وسياسية متعددة إلى تفاوض بين معسكر الجيش وحلفائه، من جهة، ومعسكر الدعم السريع وحلفائه، من جهة أخرى. وعندها لا تكون الحرب قد فرضت أطراف التفاوض فحسب، بل تكون قد أعادت أيضاً رسم خريطة التمثيل السياسي، بما قد يهمّش قوى مثل “صمود” والأحزاب والتيارات التي ترفض الاصطفاف داخل هذه الثنائية، ويختزل المجال السياسي السوداني في معسكرين صنعتهما الحرب.

ولا تكفي التصريحات العامة عن وحدة السودان لمعالجة هذا الإشكال. فالمشكلة ليست فقط فيما تقوله “تأسيس” عن الوحدة، بل في الأثر السياسي والمؤسسي لما فعلته: إعلان دستور، وتشكيل حكومة وهياكل سلطة موازية، في ظل حرب مفتوحة وسيطرة عسكرية. فمثل هذه الخطوات، حتى إن رفعت شعار الوحدة، تخلق واقعاً يضعف وحدة الدولة، ويفتح الباب أمام منطق السلطات المتعددة، والشرعيات المتنافسة، وربما الانقسام الفعلي.

لذلك، فإن الحجة الأساسية هنا ليست حجة خصومة سياسية مع “تأسيس”، ولا رغبة في إقصاء قوى أو شخصيات مدنية وسياسية لمجرد اقترابها من هذا المعسكر أو ذاك، بل حجة تتصل بوحدة البلاد وسيادة الدولة. فأي حوار يستهدف استعادة الدولة لا يمكن أن يبدأ بشرعنة سلطات موازية نشأت عن الحرب. وأي حوار يستهدف وقف الحرب لا يمكن، في الوقت نفسه، أن يتجاهل القوى المدنية والسياسية الموجودة في معسكرات الحرب.

فالمعادلة الصحيحة ليست إقصاءً كاملاً ولا اعترافاً مؤسسياً بكيانات الحرب، بل مشاركة سياسية ومدنية مشروطة، تحفظ وحدة السودان، وترفض السلطات الموازية، وتفصل بين المدني والعسكري، وبين المشاركة والاعتراف، وبين الحوار والمساءلة.

وهذا يعني أن القوى والشخصيات المدنية والسياسية التي تتقاطع مع بعض القضايا أو الرؤى المطروحة في محيط “تأسيس” — مثل نقد بنية الدولة المركزية، وقضايا التهميش وعلاقة المركز بالأقاليم، والعدالة والمواطنة، وتوزيع السلطة والثروة، والحاجة إلى إعادة بناء الدولة على أسس جديدة — من دون أن تشارك بصفتها ممثلة للحكومة الموازية أو للقوة المسلحة، لا ينبغي أن تُقصى لمجرد موقعها أو خلفيتها أو بعض أطروحاتها.

أما من يرتبط تنظيمياً أو سياسياً بـ”تأسيس”، فإن مشاركته في الحوار لا ينبغي أن تكون بصفته ممثلاً لحكومة موازية أو لقوة مسلحة. فالمعيار ليس تغيير الاسم أو إنكار الارتباط السياسي، وإنما وضوح الصفة التي يشارك بها، والتزامه بقواعد الحوار: وحدة السودان، رفض السلطات الموازية، وقف الحرب، المساءلة، والجيش الوطني الواحد. وبهذا فقط يمكن التفريق بين المشاركة السياسية المشروعة والاعتراف المؤسسي غير المقبول.

 

ومن المهم كذلك ألا نخلط بين الانتماء الجغرافي أو الاجتماعي إلى مناطق تقع تحت سيطرة الدعم السريع وبين التأييد السياسي للدعم السريع أو لـ”تأسيس”. فكثير من السودانيين المنحدرين من هذه المناطق يعيشون اليوم في مناطق تحت سيطرة الجيش والسلطات القائمة، أو خارج السودان، وقد يلتزم بعضهم الصمت أو يتحفظ في التعبير عن مواقفه بسبب الخوف، أو الروابط الأسرية والاجتماعية، أو الاعتبارات المهنية، أو خشية الوصم وسوء الفهم، أو ببساطة لعدم اقتناعه بالمشروعات السياسية التي أفرزتها الحرب. وهذا لا يجعلهم بالضرورة مؤيدين لهذا الطرف أو ذاك.

وبين هؤلاء مهنيون وأكاديميون ومثقفون وكتاب وقيادات مجتمعية ونساء وشباب وأصوات مستقلة يمكن أن تسهم بصورة مهمة في أي حوار وطني قادم. بل إن استعادة هذه الأصوات إلى المجال العام جزء من توسيع دائرة الحوار نفسها. ففي لحظة من الاستقطاب الحاد كهذه، يحتاج السودان إلى أن يكتب هؤلاء ويتحدثوا ويختلفوا علناً، لا أن تُختزل مواقفهم في أصولهم الجغرافية أو صلاتهم الاجتماعية، ولا أن يُترك المجال العام للأطراف الأكثر تنظيماً أو تسليحاً أو قدرة على رفع الصوت.

فالحوار الجاد لا يحتاج فقط إلى تعدد التنظيمات المشاركة، بل إلى تعدد الأصوات السودانية نفسها. ولذلك ينبغي ألا يُفهم الانحدار من منطقة بعينها، أو الصمت العلني في زمن الحرب، باعتباره دليلاً على الولاء السياسي.

كما أن على القوى السياسية والمدنية القريبة من “تأسيس” أو الموجودة في محيط الدعم السريع أن تضطلع بدور إيجابي في دفع هذا المعسكر نحو مسار وقف الحرب والترتيبات الأمنية، لا أن تسعى إلى تحويل الارتباط بالقوة المسلحة إلى مدخل لاعتراف سياسي. فالدور الوطني المطلوب منها هو أن تساعد على فصل السياسي عن العسكري، وأن تشارك في المسار السياسي بصفتها المدنية، وفي الوقت نفسه تدفع الطرف العسكري المرتبط بها إلى الانخراط الجاد في مسار وقف الحرب.

ولا يقتصر دور القوى المدنية والسياسية على انتظار توقف القتال ثم الانتقال إلى الحوار. فالحرب لا تستمد قدرتها على الاستمرار من السلاح وحده، وإنما أيضاً من البيئة السياسية والاجتماعية التي تمنح أطرافها الغطاء، أو تبرر استمرارها، أو تبقي مفتوحاً احتمال تحويل المكاسب العسكرية إلى مكاسب في السلطة.

ومن هنا يمكن للحوار السياسي نفسه أن يصبح جزءاً من عملية إنهاء الحرب، لا بديلاً عن التفاوض العسكري والأمني، ولكن مكملاً له. فكلما اتسع التوافق المدني حول مبادئ واضحة — مثل أن السيطرة على الأرض لا تمنح شرعية سياسية، وأن السلاح لا يخلق حقاً في الحكم أو نصيباً مضموناً في السلطة، وأن مستقبل الدولة لا تحدده نتائج المعارك — ضاق المجال أمام تحويل الحرب إلى طريق نحو السلطة.

بهذا المعنى، لا ينبغي أن تنتظر السياسة صمت المدافع بالكامل حتى تبدأ. فبناء موقف مدني واسع حول وحدة الدولة، والجيش الوطني الواحد، والمواطنة، والعدالة، ورفض المحاصصة التي تكافئ السلاح، يمكن أن يسهم في تغيير البيئة السياسية التي تتغذى منها الحرب، ويضعف الحوافز المرتبطة باستمرارها. لكنه يظل مساراً موازياً ومترابطاً مع التفاوض العسكري والأمني، لا بديلاً عنه.

غير أن هنا تكمن معضلة حقيقية لا ينبغي تجاهلها. فقد تطالب الأطراف المسلحة بقدر أكبر من الوضوح حول طبيعة النظام السياسي أو المرحلة الانتقالية التي ستلي وقف إطلاق النار قبل أن تتخلى عن أوراق القوة العسكرية. ولهذا يرى بعض المحللين والوسطاء الدوليين أن إحراز تقدم في المسار العسكري قد يتطلب قدراً أوضح من التصور السياسي للمرحلة التالية.

لكن الخطر واضح أيضاً: فالتطمينات المتعلقة بقواعد العملية السياسية المقبلة وشمولها واتجاهها قد تنزلق بسهولة إلى ضمان مناصب أو تمثيل أو حصة في السلطة للأطراف المسلحة نفسها. ومن هنا يصبح التمييز ضرورياً بين تقديم ضمانات موثوقة بشأن قواعد العملية السياسية بعد الحرب وشمولها واتجاهها، وبين ضمان نصيب سياسي مسبق لأطراف الحرب بحكم امتلاكها للسلاح. وإلا تحولت الحرب، عملياً، إلى وسيلة لاكتساب الاعتراف السياسي.

وقد يلتقي المساران، السياسي والأمني، في مرحلة لاحقة حول قضايا بعينها، لكن ذلك لا يبرر الخلط بينهما منذ البداية.

وبالمقابل، يجب تطبيق القاعدة نفسها على القوى الداعمة للجيش. فالقوى السياسية أو المدنية التي تؤيد الجيش أو الحكومة القائمة لا ينبغي أن تشارك بوصفها ممثلة للجيش أو ناطقة باسمه. والجيش نفسه، كطرف عسكري، مكانه هو المسار العسكري والأمني، لا الحوار السياسي المدني.

لكن هناك فارقاً لا ينبغي تجاهله: وجود قوى سياسية داعمة للجيش أو قريبة من الحكومة القائمة لا يماثل، من حيث البنية، قيام تحالف سياسي/عسكري منظم، له دستور وحكومة موازية وهياكل سلطة، ويرأسه قائد قوة مسلحة تخوض الحرب. هذه ليست مساواة بين طرفين، بل تمييز ضروري بين علاقة سياسية قابلة للنقد والمساءلة، وبنية مؤسسية موازية تهدد وحدة الدولة.

وتبرز هنا حالة أكثر تعقيداً تتمثل في الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا للسلام، والتي شاركت قوات بعضها لاحقاً في الحرب إلى جانب القوات المسلحة. ولا يصح، في تقديري، مساواة وضع هذه الحركات بوضع “تأسيس” لمجرد أن كليهما يرتبط بالسلاح. فهذه الحركات سبقت الحرب الراهنة كقوى سياسية وعسكرية ذات مطالب تتعلق بالحكم والسلام وقضايا المركز والهامش وتقاسم السلطة والثروة، وكان بعضها جزءاً أصيلاً من تحالفات المعارضة السياسية والمدنية قبل سقوط نظام البشير، بما في ذلك تحالف “نداء السودان”. ثم دخلت العملية الانتقالية عبر اتفاق جوبا للسلام، وهو اتفاق أقر لها صفة سياسية داخل العملية الانتقالية، وفي الوقت نفسه أخضع قواتها لمسار للترتيبات الأمنية والدمج، بما يفترض في نهايته إنهاء تعدد الجيوش لا تكريسه.

وتقدم الحركة الشعبية لتحرير السودان–شمال بقيادة مالك عقار مثالاً مهماً في هذا الصدد. فقد مضت، بموجب ترتيبات اتفاق جوبا، في دمج قواتها في المؤسسات العسكرية والأمنية، وأُعلن اكتمال هذه العملية وانتقال الحركة إلى العمل السياسي كحزب بلا جناح عسكري. وهذا هو، من حيث المبدأ، الاتجاه الذي ينبغي أن تقود إليه اتفاقات السلام: الانتقال من السلاح إلى السياسة، ومن التنظيم العسكري إلى العمل الحزبي المدني، ومن تعدد الجيوش إلى جيش وطني واحد.

ولا يعني ذلك إعفاء بقية الحركات الموقعة على اتفاق جوبا من استكمال الترتيبات الأمنية، أو من المساءلة عن أي انتهاكات ارتكبتها قواتها خلال الحرب، وفق مقتضيات العدالة الانتقالية ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، أو منحها حق استخدام ما لا تزال تحتفظ به من قوة عسكرية للحصول على وزن سياسي إضافي.

فحقها في المشاركة السياسية لا ينبغي أن يستمد من السلاح، وإنما من صفتها السياسية ومن اتفاق السلام الذي دخلت بموجبه العملية الانتقالية. فأساس