مناوي.. يعلن تمرده
مناوي.. يعلن تمرده
أحمد عثمان جبريل
❝أخطر ما في المليشيا أنها لا تبدأ دائماً عدواً للدولة.. أحياناً تبدأ حارساً لها، ثم تكبر حتى يصبح على الدولة أن تحرس نفسها منها.❞
تقول الحكاية: في روما القديمة، لم يكن الحرس البريتوري عدواً للإمبراطور حين وُلد .. كان سيفه الأقرب، وحارسه الذي يقف عند باب القصر، وقوته التي يُعوّل عليها حين تضطرب المدينة..
لكن السيف القريب من العرش يتعلم شيئاً آخر مع الوقت.. يتعلم أن قربه من صاحب القرار يمنحه نفوذاً على القرار نفسه.
قتل الحرس البريتوري الإمبراطور كاليغولا سنة 41م، ثم أخرج كلوديوس من مخبئه ونصّبه إمبراطوراً .. وبعد ذلك لم يعد الحرس مجرد حارس للقصر.. صار لاعباً في القصر، وشريكاً في صناعة العرش وخلعه.
هنا تبدأ حكايتنا السودانية.
(1)
المليشيا لا تصبح خطراً على الدولة لأنها تحمل السلاح فحسب.. الخطر يبدأ يوم يصبح لها “قرار مستقل في استخدام السلاح”..
عندها لا تعود البندقية أداة في يد الدولة، وإنما تصبح البندقية طريقاً إلى النفوذ، ثم إلى القرار، ثم إلى الشرعية نفسها..
وهذا هو الدرس الذي دفع السودان ثمنه غالياً في كل شيء..
فالدولة التي تسمح بتعدد مراكز القوة المسلحة قد تنجح لبعض الوقت في إدارة التوازنات.. لكنها تزرع في جسدها قوةً لا تعرف، عند لحظة الانفجار، أين تنتهي مهمتها وأين يبدأ مشروعها..
وهنا لا تعود القضية:( من الأقوى؟)
السؤال الأخطر يصبح: (من يملك قرار السلاح؟).
(2)
السودان يعرف الإجابة القديمة جيداً..
نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير أنشأ قوات الدعم السريع عام 2013، ثم جاء قانون عام 2017 ليمنحها وضعاً قانونياً كقوة نظامية..
انتقلت القوة بذلك من هامش المليشيا إلى متن الدولة.. من بندقية صنعتها السلطة لحماية السلطة، إلى مؤسسة مسلحة لها قانون وقيادة وبنية وموارد..
ثم جاءت المفارقة التي تبدو اليوم كأن الحرب نفسها كتبتها على جدار السودان..
في يونيو 2021، قال عبدالفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو إن الجيش والدعم السريع (قوة واحدة).. كانا يتحدثان عن قوة واحدة.. بينما كانت القوة الواحدة تحمل في داخلها قوتين، ولكل قوة حساباتها، ورؤيتها، وموقعها من المستقبل..
ثم لم تمضِ سوى أسابيع حتى جاء دقلو نفسه ليقول في الجنينة إن الدعم السريع (خرج من رحم القوات المسلحة) وإن قانونه أجيز بواسطة البرلمان.. ثم عاد البرهان ليكرر ذات العبارة (رحم القوات المسلحة)
كانت العبارة يومها تعريفاً للنشأة..
لكن التاريخ كتب لها لاحقاً تعريفاً آخر.. خرج من رحم القوات المسلحة.. ثم خرج على القوات المسلحة.
(3)
وهنا لا تعود الحكاية عن الدعم السريع وحده..
الحكاية عن الفكرة التي صنعت المأساة من الأصل:”أن تستعين الدولة بقوة مسلحة خارج بنيتها الصلبة، ثم تطمئن إلى أنها ستظل في المكان الذي رسمته لها”..
التاريخ لا يمنح هذه الطمأنينة مجاناً..
فالقوة التي تكبر خارج مركز الدولة لا تظل بالضرورة عند حدود المهمة التي أُنشئت من أجلها..
ومع كل بندقية جديدة يتسع هامش القرار المستقل.. ومع كل نفوذ جديد يصبح نزع السلاح أصعب.. ومع كل تسوية سياسية يصبح السؤال:” من سيدخل الدولة؟ الفرد الذي حمل السلاح.. أم القوة التي حملته؟”..
لهذا فإن دمج المقاتلين في الدولة شيء، وإعادة تدوير التشكيلات المسلحة داخل الدولة شيء آخر.
(الأول ينهي المليشيا.. والثاني يمنحها اسماً جديداً).
(4)
من هنا تأتي كلمات مني أركو مناوي.. الرجل الذي عبر بنفسه الطريق من التمرد إلى السلام، ومن السلام إلى السلطة، ثم وجد نفسه داخل دولة تخوض حرباً مفتوحة، ليخرج في امس وفي هذا التوقيت تحديدا ليقول:( أنا متمرد على أي دولة تدعم المليشيات أياً كان اسمها). وتابع يقول: إننا لانريد عودة تجربة الجنجويد في ثوب جديد، ولا نريد أن تموّل المليشيات من أموال الدولة وضرائب الفقراء ودم السودانيين”.. معلناً عن تحمله مسؤولية حديثه حتى لو قاده إلى المشنقة.
الكلام ليس عابراً..
فمناوي ليس مراقباً يقف على الرصيف.. إنه حاكم لإقليم دارفور، وقائد حركة حملت السلاح ذات يوم، ثم دخلت في مسار السلام، وأصبحت جزءاً من السلطة.
لذلك حين يقول: (أنا متمرد) لا ينبغي أن نقرأ الكلمة وحدها..
ينبغي أن نسأل: (متمرد على ماذا؟)..
(على دعم المليشيات؟) .. أم على فكرة (إعادة إنتاج المليشيا؟)..
(أم على دولة يمكن أن تهزم مليشيا اليوم، ثم تصنع واحدة أخرى غداً؟).
(5)
المفارقة أن مناوي نفسه قال قبل أسابيع إن باب العودة إلى حضن الوطن مفتوح لمن يترك المليشيا وينحاز إلى الوطن والقوات المسلحة..
وهنا نحن أمام سؤال لا يحتمل الزخرفة.
نعم.. عودة المقاتلين مطلوبة.
نعم.. فتح باب العودة أفضل من فتح أبواب المقابر.
لكن (كيف يعودون؟)..
هل يعود المقاتل فرداً إلى الدولة، فيدخل مؤسساتها وفق قانونها؟
أم يعود ومعه سلاحه ورفاقه وقيادته وتسلسل أوامره، ثم نطلب من الأيام أن تثبت لنا أن الاسم الجديد لن يصبح قوة جديدة؟..
هذه هي المسافة الدقيقة بين (الدمج و إعادة التدوير)..
الدولة تستوعب الأفراد.. أما المليشيا فتستوعب الدولة.
والفارق بين الجملتين قد يكون هو الفارق بين نهاية الحرب وموعد الحرب التالية.
(6)
ثم ظهر اسم (درع الغرب)..
تقارير تحدثت في سبتمبر عن دعوة النور أحمد آدم (قبة) قيادات منشقة من الدعم السريع إلى التنسيق والتوحد تحت هذا الاسم، مع حديث عن التعاون مع القوات المشتركة..
والنور قبة أعلن أن قواته جاهزة للعمل مع القوات المسلحة والقوات المساندة لها، وقال إنه أقنع قيادات منشقة من الدعم السريع بالعودة، في لقاء جرى برعاية مناوي وإشراف جهات رسمية..
لكن هنا تحديداً ينبغي أن تتوقف الصحافة عن الركض..
هل نحن أمام قوة جديدة مكتملة الأركان؟..
أم أمام تجميع للمنشقين وتنسيق لهم داخل المنظومة القائمة؟
وهل (درع الغرب) اسم لقوة مستقلة بالفعل.. أم اسم لفكرة لم تكتمل بعد؟..
ثمة تقارير حذرت من اعتبارها قوة مستقلة قبل صدور قرار رسمي يثبت ذلك.
إذن.. (لا نتهم، ولا نبرئ)..
لا نقول إن مناوي أنشأ مليشيا جديدة.. لأننا لا نملك وثيقة تقول ذلك..
ولا نقول إن (درع الغرب) أصبحت قوة مستقلة.. لأن إثبات ذلك يحتاج إلى قرار واضح..
لكننا نفعل ما ينبغي للصحافة أن تفعله: “نسأل.”
(7)
لماذا ظهر الاسم الآن؟
من يقف خلفه؟
من يموله؟
لمن يخضع؟
ومن يملك قرار سلاحه إذا اختلف مع المؤسسة التي يعمل إلى جوارها؟
ثم السؤال الأكبر:
إذا كان المقاتل المنشق عن الدعم السريع سيعود إلى الدولة بسلاحه وقياداته وتشكيلاته.. فهل نحن أمام “عودة رجال إلى حضن الوطن؟”
أم أمام “دخول المليشيا إلى حضن الدولة باسم جديد؟”..
هذه ليست معركة على اسم..
إنها معركة على مستقبل الدولة السودانية..
فالسودان لا يحتاج إلى حارس جديد.. السودان يحتاج إلى دولة لا تحتاج إلى حراس فوق مؤسساتها.
ولا يحتاج إلى قوة جديدة تقول إنها تحمي الدولة.. بل إلى دولة واحدة تملك وحدها حق تنظيم السلاح، واستخدامه، ومحاسبة من يحمله خارج قانونها.
لأننا رأينا الحكاية من قبل..
بدأت قوةً من رحم المؤسسة..
كبرت..
تضخمت..
ثم اختلفت مع المؤسسة..
وانتهى الأمر بحرب تأكل البلاد منذ أبريل 2023.
(فهل نريد أن نطوي الصفحة.. أم نعيد كتابة الحكاية بالحبر نفسه؟)
ما نود قوله هنا: أن المشكلة في السودان لم تكن يوماً قلة البنادق.. بل كثرتها..
ولم تكن قلة الرجال الذين يحملون السلاح.. بل تعدد الجهات التي تملك قرار استخدامه.
ولهذا فإن الدولة التي تريد إنهاء عصر المليشيات لا تستطيع أن تفتح الباب لمليشيا أخرى، حتى لو حملت رايةً مختلفة، وحتى لو جاء رجالها من صفوف خصمها، وحتى لو قيل إن مهمتها مؤقتة.
من أراد العودة إلى الوطن.. فالوطن يتسع له.
ومن أراد ترك المليشيا.. فالدولة تستطيع أن تفتح له باباً.
لكن الباب يجب أن يقود إلى (الدولة).. لا إلى تشكيل مسلح جديد داخلها..
فالمقاتل يمكن أن يعود إلى الوطن.
أما (المليشيا).. فلا ينبغي أن تعود معه.
(الدولة لا تُبنى بكثرة الحماة.. بل بوحدة من يملك حق حمل السلاح).
ومضة..
في عام 1979، دخل الشاه محمد رضا بهلوي الولايات المتحدة للعلاج، فتحولت مسألة العلاج التي تبدو إنسانية في ظاهرها إلى أزمة سياسية وأمنية هزت العلاقات بين واشنطن وطهران..
لم تعد القضية: أين يعالج الرجل؟
صار السؤال: “ماذا يعني وجوده هنا؟”..
وهكذا تفعل بعض الأحداث حين تتجاوز ظاهرها..
فقد يبدأ الأمر بمقاتلين يعودون إلى حضن الدولة..
ثم يظهر اسم..
ثم قيادة..
ثم تمويل..
ثم سلاح..
ثم يصبح السؤال، بعد فوات الأوان:
“من عاد إلى الدولة.. ومن دخل الدولة؟”
توقيع أفق الحرف..
أفق يترفق باتساعه ليقول:”لا نخاف من عودة الرجال إلى الوطن..
لكننا نخاف أن تعود المليشيا معهم، ثم تكتشف الدولة ذات صباح أنها أنجبت حارساً جديداً.. يحتاج الوطن بعده إلى حارس يحرسه منه.
إنا لله ياخ..
الله غالب.
altaghyeer.info