خبر ⁄سياسي

صديق يوسف.. شيوعي سبعون عاما بدون رأس المال 

نشر:آخر تحديث:

صديق يوسف.. شيوعي سبعون عاماً بدون (رأس المال) 

أحمد عثمان جبريل

❝ قراءةُ (رأس المال) لا تصنع وحدها شيوعياً جسوراً، كما أن عدم قراءته لا يصنع وحده مناضلاً ذا شأن.. فالكتب تكشف الطريق، لكنها لا تمشيه نيابةً عن أصحابها، والنضال يمنح التجربة معناها، لكنه لا يعفيها من سؤال المعرفة❞

تقول الحكاية: في عام 1867، أخرج كارل ماركس إلى العالم المجلد الأول من كتابه (رأس المال).. بعد سنوات طويلة من البحث والتأمل ومراجعة الأفكار. لم يكن الكتاب نشيداً حزبياً، ولا كتيباً لتوزيع صكوك الثورية؛ كان محاولةً لتشريح النظام الرأسمالي، وفهم العلاقة بين رأس المال والعمل، وكيف تتولد الأرباح وتتراكم الثروة داخل المجتمع. مات ماركس عام 1883، قبل أن يرى اكتمال نشر عمله في مجلداته المعروفة؛ فتولى صديقه فريدريك إنجلز تحرير المجلدين الثاني والثالث ونشرهما بعد وفاته، عامي 1885 و1894. هكذا احتاج الكتاب نفسه إلى رفيق يكمل ما بدأه صاحبه، وبقيت الفكرة أطول عمراً من صاحبها.. لكن هل تكفي صحبة الفكرة لإثبات فهمها، أم أن الفهم يحتاج إلى قراءةٍ ومساءلةٍ واختبار؟

(1)

أعاد المهندس صديق يوسف، القيادي المخضرم في الحزب الشيوعي السوداني، هذا السؤال إلى الواجهة، حين قال في حوار مع “بودكاست السودان” إنه أمضى سبعين عاماً عضواً في الحزب، وما زال، لكنه لم يقرأ كتاب (رأس المال).. أطال الله عمره.

إشتعل النقاش، وتوزعت التعليقات بين من اتخذ من عبارته مدخلاً للسخرية، ومن رأى فيها دليلاً على أن الممارسة السياسية قد تسبق الاطلاع النظري، ومن تعامل معها كأنها نهاية الفكر الشيوعي في السودان. لكن مهلاً.. هل نناقش رجلاً أم نناقش فكرة؟ وهل المطلوب أن نمنح الرجل شهادةً على بياض، أم أن نحاكم سبعين عاماً كاملةً بكتاب واحد؟ كلا الطريقين يريح صاحبه من التفكير، ويعفيه من السؤال الأصعب.

(2)

(رأس المال) كتاب كثيف، يتناول الاقتصاد السياسي، وقيمة السلعة، وقوة العمل، وفائض القيمة، وتراكم رأس المال. قراءته الكاملة تحتاج إلى جهد، وفهمه يحتاج إلى أكثر من تقليب الصفحات.. والحقيقة، إن الفكر الماركسي أوسع من هذا الكتاب، والعمل السياسي أوسع من الفكر الماركسي نفسه.. لذلك لا يصح أن نجعل عدم قراءة المجلدات الثلاثة دليلاً قاطعاً على الجهل بالفكرة، كما لا يصح أن نجعل قراءة المجلدات الثلاثة دليلاً على استيعابها. فقد يحفظ المرء المصطلحات ويعجز عن فهم الواقع، وقد يقرأ آخر أجزاء من النظرية ويملك من التجربة ما يفتح أمامه أسئلةً لم تمنحها الكتب إجابات جاهزة. بين القراءة والفهم مسافة، وبين الفهم والموقف مسافة أخرى.. وفي المسافتين يُمتحن العقل.

(3)

لكن السؤال الذي ينبغي أن يصل إلى قيادة الحزب الشيوعي السوداني لا يتوقف عند صديق يوسف: ما شروط العضوية في الحزب؟ هل تشترط لوائحه قراءة (رأس المال) أو استيعاب نصوص محددة من ماركس؟ أم تقوم على الاقتناع بالبرنامج، والالتزام بالمبادئ، والانضباط التنظيمي، والمشاركة في العمل السياسي؟ هذه أسئلة تستحق إجابةً من وثائق الحزب نفسه، لا من خصومه ولا من أنصاره وحدهم.. فإذا كانت القراءة شرطاً تنظيمياً، وجب بيان الشرط ومدى الالتزام به؛ وإذا لم تكن شرطاً، فلا يجوز اختراع امتحان لم ينص عليه الحزب. ومع ذلك، فإن غياب الشرط المكتوب لا يعني أن الثقافة النظرية أمر زائد؛ فهناك فرق بين الحد الأدنى للانتساب، والحد الأدنى الذي يحتاج إليه من يريد قيادة الناس وتفسير واقعهم واقتراح طريق تغييره.

(4)

هنا نصل إلى بيت القصيد.. قراءة (رأس المال) لا تخلق منك شيوعياً جسوراً، ولا عدم قراءته يخلق منك مناضلاً ذا شأن. لا تمنح المكتبة صاحبها شجاعةً لم يختبرها، ولا تمنح سنوات العضوية صاحبها فهماً لم يسعَ إليه.. قد يكون المرء قارئاً نهماً، لكنه يتراجع عند أول اختبار؛ وقد يكون صاحب تجربة طويلة، دفع أثماناً حقيقية لمواقفه، وتعلم من الميدان ما لا تمنحه الصفحات وحدها.. غير أن التجربة، مهما عظمت، لا تتحول تلقائياً إلى نظرية، كما أن التضحية لا تجعل كل رأي صحيحاً، ولا تمنح صاحبه حصانةً من النقد.. قيمة الإنسان السياسي فيما يفهم ويفعل معاً؛ فيما يراه بعقله، ويثبته بموقفه، ويقدمه للناس من أثر.. أما تحويل الكتاب إلى وسام، أو تحويل العمر الحزبي إلى شهادة تفوق، فذلك من عبادة الرموز لا من نقد الأفكار.

(5)

والنضال نفسه له أبواب كثيرة. قد يدخل الإنسان السياسة من باب مقاومة الاستعمار، أو رفض الفقر والتمييز، أو الدفاع عن العمال والمهمشين؛ ثم يبحث عن النظرية التي تفسر ما يراه ويمنحه أدواتٍ للفهم.. وقد يبدأ آخر من مقاعد الدراسة، ثم يخرج من الكتب إلى الشارع والعمل العام.. لا طريق واحداً إلى الوعي، ولا شهادة واحدة تقيس شجاعة الناس.. لكن الطريقين يلتقيان عند مسؤولية مشتركة:” أن تتعلم التجربة من الفكر، وأن يتعلم الفكر من التجربة”.. فإذا انفصلت النظرية عن الحياة تحولت إلى محفوظات، وإذا انفصلت الممارسة عن التفكير غدت حركةً بلا بوصلة؛ تكرر أخطاءها، وتظن أن طول المسير دليل على صحة الاتجاه. فليس المطلوب أن يتحول كل مناضل إلى أستاذ اقتصاد، بل أن يعرف ما الذي يدافع عنه، ولماذا، وكيف يراجع موقفه حين تكشف الوقائع قصوره.

(6)

ومن حقنا، في المقابل، أن نسأل الحزب الشيوعي السوداني عن مكانة التثقيف داخل مؤسساته: كيف يقرأ أعضاؤه التحولات التي شهدها السودان؟ كيف يفسرون تعثر المشروع الوطني، وأزمات الديمقراطية، وعلاقة الطبقة بالهوية، ومحنة الحرب التي مزقت المجتمع؟ وهل تظل الماركسية مرجعاً يُقرأ ويُناقش ويُختبر، أم تتحول أحياناً إلى هويةٍ موروثة، يكتفي حاملها باسمها ويختلف الناس حولها من دون أن يفتحوا صفحاتها؟ .. لا نملك أن نستنتج من تصريح واحد حال الحزب كله، ولا أن نجعل تجربة قيادي واحد حكماً على آلاف الأعضاء.. لكن التصريح يفتح باباً مشروعاً للنقاش:”ما الذي ينبغي أن يعرفه عضو الحزب عن فكرته، وما الذي ينبغي أن يتعلمه قياديه عن بلاده، وما الذي يثبت أن الانتماء ما زال فعلاً واعياً لا مجرد إقامة طويلة في بيت سياسي؟”.

(7)

أما صديق يوسف، فسبعون عاماً من الانتماء، كما ورد في حديثه، تضع أمامنا تجربةً تستحق السؤال لا التهكم.. من حقنا أن نناقش قوله، ومن حقه أن تُقرأ تجربته في سياقها، لا أن تُختزل في عنوان ساخر.. فلا نرفعه فوق النقد لأنه قديم في الحزب، ولا نهدم تجربته لأنه لم يقرأ كتاباً بعينه.. ولعل الأهم أن نسأل أنفسنا، نحن أيضاً:(كم من كتاب قرأنا ولم نتغير؟ وكم من فكرة رددناها ولم نفهم تبعاتها؟ وكم من موقفٍ اتخذناه باسم المبادئ ثم خذلنا المبادئ عند أول امتحان؟).. تلك أسئلة لا تستثني حزباً ولا تياراً ولا فرداً. فالفكر الذي يخشى السؤال يتحول إلى عقيدة مغلقة، والنضال الذي يرفض المراجعة يتحول إلى سيرةٍ يرويها أصحابها لأنفسهم، فيما ينتظر الناس ثماره فلا يجدون إلا الحكاية.

ما نود قوله هنا: ليست القضية أن يقرأ صديق يوسف (رأس المال) اليوم، أو أن يقرأه كل عضو في الحزب غداً؛ القضية أن نعيد الاعتبار إلى العلاقة التي لا غنى عنها بين المعرفة والممارسة.. فالكتاب لا يصنع بطلاً بمجرد أن يستقر بين يديه، والتجربة لا تصنع مفكراً بمجرد أن تطول سنواتها.. ما يصنع الفرق هو عقل يسأل، وضمير يختار، وموقف يصمد، واستعداد دائم للتعلم والمراجعة.. وثبات من أجل المبادئ.. ومن أراد تغيير المجتمع فعليه أن يعرفه، ومن أراد الدفاع عن فكرة فعليه أن يفهمها، ومن أراد قيادة الناس فعليه أن يدرك أن سنوات الانتماء بدايةُ مسؤوليةٍ إضافية، لا نهاية الأسئلة.. تلك هي المسافة بين اسم الفكرة وروحها.. وبين أن تنتمي إلى التاريخ، وأن تترك فيه أثراً.

ومضة..

يُروى أن غاليليو، حين اصطدم بفكرٍ يرفض النظر عبر التلسكوب لأن المشاهدة تهدد ما استقر في الموروث، لم يجعل الأداة بديلاً عن العقل، ولا جعل العقل عذراً لإغلاق العين.. كانت المسألة أوسع من جهاز يقرّب الأجرام؛ كانت امتحاناً لقدرة الإنسان على مراجعة ما يعتقده حين تتقدم الأدلة.. وهكذا ينبغي أن تكون الكتب في السياسة:” أدواتٍ لفتح البصيرة، لا أقفالاً على العقول؛ وأن تكون التجربة باباً للتعلم، لا عذراً للاستغناء عنه”.

توقيع أفق الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول:”لا نقدّس الكتاب، ولا نُسقطه.. لا نُهين التجربة، ولا نُعفيها من السؤال. فالفكرة التي لا تصمد أمام النقد تحتاج إلى مراجعة، والنضال الذي لا يتعلم من تجربته يعيد الطريق نفسه، ولو غيّر الرايات.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info