نون النسوة السوداني .. سطوة الكلمة في وجه الإستبداد
نون النسوة السوداني .. سطوة الكلمة في وجه الإستبداد !!
فضيلي جماع
يعترف كاتب هذه السطور بأنه مدين لجنس المرأة منذ يوم مولده إلى أن يرحل من هذه الفانية. ويضيف بأنه غير محايد فيما يتعلق بأمر المساواة بين المرأة والرجل في مجتمع ذكوري يجعل القوامة للرجل على المرأة حتى إذا كانت تنقص الرجل الوصاية على نفسه.
ظللت أتابع كقارئ مهتم بالشأن العام في بلادنا كثيراً من الأقلام الجادة. وأعني بالجادة ما ينقر صاحبه على ما يعانيه السودانيون اليوم من ويلات أفرزتها حرب أشعل فتيلها من ليس في عرفهم شيء إسمه الوطن السوداني. فالوطن في فكر الأخوان المسلمين شيء هلامي لا وجود له الوطن عندهم هو التنظيم الذي يتمدد كالأخطبوط ليقيم دولته حيثما أجهزوا على السلطة بقوة السلاح وجعلوا حارسها العسكر والمال. قرأت لكاتبين وكاتبات أعجبتني كتاباتهم في زمن الجفاف المعرفي. أعجبتني كتاباتهم ، فهي الكتابة التي توقد شعلة الوعي الذي نحن في أقصى ما تكون الحاجة إليه. فالكتابة التي تمسح العتمة وتضيء الطريق هي أكثر ما يخشاه الظلاميون. ولعل ما أثلج صدري أن نون النسوة السوداني ، وأخص بعضاً من الصحافيات والناشطات السودانيات قد تفوقن في غرس بذرة الوعي بشكل ملحوظ عبر كتابة امتازت بالموضوعية والجرأة وشجاعة رأي يحسدن عليها.
وقديماً قال أبو الطيب المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعان * * هو أول وهي المكان الثاني !
ولعل من أسباب احتفائي بالكتابة الجادة لصحافيات سودانيات واحتفائي بالمنابر والمنظمات التوعوية للنساء السودانيات – من أسباب احتفائي قناعتي بأنّ المجتمعات التي تقهر فيها المرأة سطوة المجتمع الذكوري لتشارك في بناء وطنها ومجتمعها في عصرنا هذا تلك المجتمعات هي وحدها الجديرة بالنهضة والتقدم لأنك وأنت تكسر قيد المرأة في معركة نهضة بلادك فإنك تعطي نصف المجتمع فرصة أن يبني.
وكجملة اعتراضية فقد سررت اليوم وأخبار العالم تزف إلينا فوز اثنتين من النساء بأرفع جائزة في العالم ، ما يعني أن عالمنا في طريقه لحرية المرأة والرجل على السواء. السيدتان اللتان فازتا بجائزتين لنوبل هذا العام 2026 هما: الشاعرة والكاتبة الكندية «آن كارسون Anne Carson» (نوبل في الأدب) والحقوقية الجنوب – أفريقية «نافي بيلاي Navi Pillay» (نوبل للسلام).
فهل ما برحت المرأة عند بعضهم في خانة (لو بقت فاس ما بتشق الراس) ؟؟!
نعود لسطوة الكلمة وقدرة القلم النسوي إذ يهز عرش الإستبداد في بلادنا. لن أذهب بعيداً في إعطاء الأمثلة ، فحقبة ما عرف بالإنقاذ لم يضايقها شيء مثلما كتمت أنفاس مخبريها أقلام نسائية تميزت بالجرأة. لقد تميز القلم النسائي بالجرأة إبان حكم البشير (الإنقاذ 1). نقتطف من موقع (جهر) رأي الموقع في المضايقات التي قامت بها الأجهزة الأمنية والشرطية آنذاك في حق الصحفيات السودانيات. يقول الموقع: وهذه الانتهاكات التي يرتكبها جهاز الأمن، وغيره من مؤسسات الدولة، ضد النساء الصحفيات، والكاتبات الصحفيات، تزداد حدتها من حيث النوع عاماً بعد عام، بقصد تحجيم دور المرأة الصحفية في القيام بواجبها المهني.
في تلك الفترة (الإنقاذ 1) واجهت الصحفيات آمال عباس ولبنى أحمد حسين وأمل هباني ومديحة عبد الله وشمائل النور وأخريات مضايقات وصلت حد الحبس في مباني أجهزة الأمن .. بل وصلت حد التكفير (شمائل النور) وحد التهديد بالقتل والضرب مثلما حدث للصحفية الشابة حواء رحمة التي كانت في مهمة صحفية رسمية، لتغطية عملية إزالة السلطات السودانية لحي (التكامل)، بمنطقة (الشجرة).
لكن قلم المرأة السودانية صار أمتن عوداً وأشدَّ صرامة في وجه الإستبداد ونحن نعيش حقبة الإنقاذ (2). فالبرهان وزمرته من العسكر والأسلامويين لم يجدوا ما يحجب انبثاق الضوء من أقلام الصحفيات رشا عوض وصباح محمد الحسن وصفاء الفحل وأخريات إلا أن يكثروا من التهديد والوعيد.
ضجت الأسافير الأسبوع الماضي بما شاع حول التهديد بالقتل الرئيسة صحيفة (التغيير) الإليكترونية الأستاذة رشا عوض بسبب موقفها الصارم والشجاع في مقالاتها والمقابلات في المحطات التلفزيونية بفضح سلطة بورتسودان والقوى الظلامية. إنّ أكثر ما يضيق الخناق على القوى الظلامية
أن يقوم أصحاب المنابر والصحافة الحرة بفضح مشروعهم الذي لا يقبل الآخر. وهذا ما تصدّت له رئيس تحرير التغيير الإليكترونية بكل شجاعة ، وفي يدها سلاح أكثر مضاءً وأشد فتكاً من البندقية – سلاح المعرفة والمنطق.
من منفاي ، بعيداً عن وطني وأحبابي ، أرفع زندي وأجهر بصوتي تضامناً مع نون النسوة السوداني ، وأشهد أنّ ما يقمن به من بث الوعي والكلمة الحرة أقض مضاجع قادة نظام الإبادة الجماعية والقمع في بورتسودان، وأنصارهم من الفلنقايات وهتيفة بل بس!
أعتذار: ولأن هذا المقال ليس سوى خاطرة استدعتها الذاكرة فإنني أرجو أن تعذرني كل من سقط إسمها سهواً من الصحفيات المناضلات اللائي تعرضن وما زلن يتعرضن للمضايقات معنوياً واسفيرياً من قوى الظلام.
فضيلي جماع لندن أكتوبر 2026
altaghyeer.info