خبر ⁄سياسي

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الخامسة: استقلال المحاماة حين يكون الدفاع عن القانون واجبا

نشر:آخر تحديث:

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق

 الحلقة الخامسة: استقلال المحاماة… حين يكون الدفاع عن القانون واجباً

ميرغني الحبر المحامي

في الأوقات العادية قد يبدو الحديث عن استقلال المحاماة حديثاً مهنياً يهم المحامين أكثر مما يهم غيرهم.

أما في أوقات الحرب والاضطراب والاستقطاب، فإن الأمر يختلف.

فحين تتسع دائرة الاشتباه، وتصبح القضايا ذات الطابع الأمني أكثر حضوراً، ويصبح الانتماء أو الموقف أو مجرد تمثيل شخص محل نظر وشك، يصبح استقلال المحامي ضرورة تتصل مباشرة بحق المواطن في الدفاع والعدالة.

فالمحامي لا يختار موكليه على أساس قناعاته السياسية، وإنما يؤدي واجبه وفق القانون.

 ماذا يعني استقلال المحاماة؟

لا يعني أن يكون المحامي فوق القانون، ولا أن يقف ضد الدولة أو مؤسساتها.

إنما يعني أن يستطيع أداء واجبه المهني دون تخويف أو إعاقة أو مضايقة أو تدخل غير مشروع؛ وأن يستطيع أن يقابل موكله، ويستمع إليه، ويقدم له المشورة، ويدافع عنه، دون أن يُعامل بسبب ذلك باعتباره طرفاً في قضيته.

وهذه ليست حماية للمحامي وحده.

إنها حماية للحق الذي جاء المحامي ليحميه.

ولهذا نصت الوثيقة الدستورية الانتقالية، و(تعديل) سنة 2025 صراحة على أن «المحاماة مهنة خاصة ومستقلة ينظمها القانون»، وربطت هذه المهنة بحماية الحقوق الأساسية للمواطنين ودفع الظلم والدفاع عن الحقوق والمصالح القانونية.

وهذا النص الدستوري يحمل معنى بالغ الأهمية: استقلال المحاماة ليس امتيازاً للمحامي، وإنما وسيلة لتمكينه من أداء رسالته.

 والقانون لم يترك الاستقلال بلا ضمانات

وضع قانون المحاماة السوداني عدداً من الضمانات التي تحمي المحامي أثناء أداء عمله.

ومن أبرزها المادة 48، التي تضع حماية إجرائية خاصة للمحامي عند القبض عليه أو استدعائه للتحقيق، مع ترتيبات خاصة إذا كانت الواقعة متصلة بعمله المهني. وهذه ضمانة مهمة في حماية المحامي من أن يتحول أداء واجبه إلى سبب لتعريضه لإجراء تعسفي أو غير منضبط.

لكن ضمانات الاستقلال لا تقف عند هذه المادة.

فالقانون يحمي كذلك سرية العمل المهني، ويضع حماية للإجراءات التي تتم بسبب ممارسة المحاماة، ويقرر إطاراً مهنياً يتعامل مع المحامي باعتباره شريكاً في إقامة العدالة، لا خصماً للمؤسسات التي يعمل أمامها.

كما أن المجتمع الدولي نفسه ينظر إلى هذه المسألة بالطريقة ذاتها.

فمبادئ الأمم المتحدة بشأن دور المحامين تقرر حق المحامي في أداء وظائفه دون تخويف أو عرقلة أو مضايقة أو تدخل ، وتوجب حماية أمنه عندما يتعرض للخطر بسبب عمله، وتؤكد ألا يؤخذ بجريرة موكله أو بقضيته لمجرد تمثيله له. كما تحمي سرية الاتصال بين المحامي وموكله.

 في بلادنا اليوم… لماذا يصبح هذا الحديث أكثر إلحاحاً؟

لأن المحامي قد يجد نفسه أمام قضية حساسة، أو أمام جهة أمنية، أو أمام متهم ينظر إليه البعض باعتباره خصماً أو متعاوناً مع طرف في الحرب.

وهنا يجب أن يبقى المبدأ واضحاً:

تمثيل الشخص ليس تبنياً لموقفه، والدفاع عنه ليس موافقة على ما يُنسب إليه.

المحامي لا يحقق، ولا يتهم، ولا يصدر حكماً.

وظيفته أن يضمن أن من يقف أمام القانون سيحصل على دفاع قانوني، وأن الإجراءات التي تمس حريته وحقوقه ستخضع للقانون.

وإذا كان الشخص بريئاً، فالدفاع عنه حق.

وإذا كان متهماً، فالدفاع عنه حق.

وحتى إذا كان قد ارتكب جريمة، فإن حقه في محاكمة عادلة ودفاع قانوني لا يسقط.

وهنا تكمن قيمة المحاماة في زمن الاستقطاب تحديداً: أن تبقى العدالة أكبر من الخصومة.

 الظرف الاستثنائي لا يلغي القانون

ندرك جميعاً أن السودان يعيش ظروفاً أمنية استثنائية، وأن للدولة مسؤولية حماية الأمن ومواجهة الجرائم والانتهاكات، وأن العمل في مثل هذه الظروف ليس كالأوضاع العادية.

لكن احترام هذه الضرورات لا يتعارض مع احترام دور المحامي.

بل ربما يكون احترام دوره أكثر ضرورة في الظروف الاستثنائية؛ لأن كلما ازدادت حساسية القضايا، ازدادت الحاجة إلى محامٍ يستطيع أن يؤدي عمله بحرية.

فالاستثناء الأمني ينبغي أن يظل استثناءً تحكمه القواعد القانونية، وألا يتحول إلى قاعدة تجعل ممارسة المحاماة نفسها موضع شبهة.

ليس المطلوب أن يُعامل المحامي معاملة فوق القانون، وإنما أن يُعامل وفق القانون بسبب طبيعة وظيفته.

وهذه ليست حماية لشخص المحامي، وإنما حماية لحق المواطن في أن يجد من يدافع عنه.

 استقلال المحاماة مسؤولية مشتركة

على الدولة أن تحمي هذا الاستقلال.

وعلى القضاء والنيابة وسائر أجهزة العدالة أن تحترم دور المحامي.

وعلى الأجهزة الأمنية، وهي تؤدي واجباتها في هذه الظروف الصعبة، أن تميز بين المحامي الذي يؤدي واجبه المهني وبين من تثبت مسؤوليته الشخصية عن فعل مجرّم.

وعلى النقابة أن تكون قادرة على حماية أعضائها عندما يتعرضون بسبب مهنتهم للتضييق أو التهديد.

وعلى المحامي نفسه أن يدرك أن الاستقلال الذي يطالب به ليس امتيازاً شخصياً، وإنما أمانة تتطلب شجاعة مهنية وانضباطاً واحتراماً للقانون.

فاستقلال المحاماة لا يعني أن يكون المحامي خصماً للدولة، كما لا يعني أن يكون تابعاً لها.

إنما يعني أن يكون للمواطن محامٍ يستطيع أن يقف إلى جانبه، حتى في أصعب الظروف، دون أن يخشى من أداء واجبه.

وهنا نعود إلى جوهر هذه السلسلة:

نحن لا ندافع عن المحامي لأنه محامٍ.

نحن ندافع عن فكرة أن القانون يجب أن يجد من يستطيع أن يدافع عنه.

ويبقى السؤال الذي تقودنا إليه هذه الحلقة بصورة طبيعية:

إذا كان استقلال المحامي ضرورياً حتى يستطيع أن يحمي حقوق موكله، فكيف ينبغي أن تكون العلاقة بين هذا المحامي وموكله؟ وأين تبدأ حدود الثقة، وأين تنتهي مسؤولية كل منهما؟

ذلك ما نناقشه في الحلقة القادمة.

المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الرابعة: أخلاق المحاماة… حين تكون المهنة سلوكاً

altaghyeer.info