ميسرة بوب أمام الصحافة الهولندية: ما متذكر قلت الكلام دا.. من الاحتفال بمجازر الفاشر إلى فقدان الذاكرة

ترجمة- المهندس يوسف كمال- ترجمت لكم هذه الحلقة من التحقيق الاستقصائي الذي أجرته هيئة الإذاعة الهولندية «NOS»، ضمن سلسلة «الحرب في الفناء الخلفي»، ونشرته عبر منصة «NPO Luister». والحلقة مخصصة مع ميسرة بوب، أحد أشهر أبواق مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والذي يبدو أن شجاعته في التوعد بالمذابح تتراجع بصورة ملحوظة عندما يجد أمامه صحفيين يحملون تسجيلاته ويسألونه عن معناها.
التحقيق ممتع من ناحية صحفية، ومضحك من ناحية أداء ميسرة في المقابلة، رغم فظاعة الموضوع الذي يتناوله. فقد اعتاد الرجل أن يضحك أمام الكاميرا وهو يحتفل بانتصارات المليشيا ويتوعد خصومها بالإبادة، لكن عندما جلس أمام صحفيين هولنديين، اكتشف فجأة أهمية ضبط النفس، وحرمة دماء المدنيين، وخطورة إساءة فهم المصطلحات، وأصبح يعاني من مشكلة غريبة في الذاكرة لا تظهر إلا عندما يسمع تسجيلاته القديمة.
سقوط الفاشر ويوم العيد الذي تحول إلى سوء تفاهم!
في 26 أكتوبر 2025، وبينما كانت مليشيا الدعم السريع ترتكب الفظائع في الفاشر، كان ميسرة يحتفل ويضحك ويصف سقوط المدينة بأنه يوم عيد، ويتحدث عن سحق الخصوم والقضاء عليهم. وفي اليوم التالي توعد بما سماه «مذبحة الفلنقاي».
لكن عندما سأله الصحفيون عن ذلك، قال إنه كان سعيدا بانتصار المليشيا، وإنه ضد قتل المدنيين!
وجود تسجيلاته بحوزة الصحفيين جعل مظهره سخيفا ومضحكا ومثيرا للاشمئزاز في آن واحد.
ذاكرة ميسرة!
قرأ الصحفيون عليه عباراته عن إفناء «الفلنقاي» وإخفائهم، فكانت المفاجأة أنه لا يتذكر أنه قالها!
وعندما واجهوه بمقطع يمتدح فيه أبو لولو، الذي وثق قتل المدنيين وتباهى بأنه قتل ألفي شخص في يوم واحد، سألهم مستغربا: «هل قلت ذلك؟».
فشغلوا له التسجيل، وبعد أن استمع إلى صوته، اكتشف أن ما قاله كان مجرد «ثورة غضب عاطفية».
ميسرة يفتتح معجما جديدا
من أطرف أجزاء المقابلة محاولة ميسرة شرح معنى كلمة «فلنقاي». فقد أكد للصحفيين أنها تعني الشخص الذي لا يفكر بحرية، ويتبع الجيش بصورة عمياء.
لكن الصحفيين، للأسف بالنسبة إليه، كانوا قد أعدوا واجبهم جيدا. فقد استعرضوا تقارير أممية وشهادات لناجين تؤكد استخدام المليشيا لهذه الكلمة أثناء القتل والاغتصاب، وارتباطها باستهداف جماعات عرقية، خصوصا الفور والزغاوة والمساليت.
وأشار التحقيق إلى واقعة اغتصاب 19 امرأة في الموقع الذي قتل فيه أزواجهن، واستخدام الكلمة نفسها في إهانتهن.
ومع ذلك ظل ميسرة يحاول إقناع الصحفيين بأنهم لم يفهموا المعنى الصحيح للكلمة!
المشكلة كلها في الترجمة!!
من التوعد بالإبادة إلى الدفاع عن حقوق الإنسان!
عندما سأله الصحفيون عن قتل المدنيين في الفاشر، قال إنه ضد العنف بحق المدنيين. وعندما سألوه عن مسؤوليته عن تصريحاته التي قد تشجع على القتل، نفى أنه يدعو الناس إلى القتل.
ويبدو أن المقابلة الهولندية كانت مناسبة لاكتشاف هذا الجانب الإنساني المفاجئ من شخصية ميسرة، الذي لم يكن واضحا بالقدر نفسه في المقاطع التي احتفل فيها بالمذابح وتوعد فيها بإفناء الآخرين.
ألف دولار شهريا.. وميسرة يعمل للتسلية!
استضاف التحقيق الباحثة سلمى العبيد، التي درست شبكات الدعاية الإلكترونية المرتبطة بالحرب، وقالت إن مروجي الدعاية لصالح الدعم السريع يتقاضون نحو ألف دولار شهريا مقابل نشاطهم.
وعندما سأل الصحفيون ميسرة إن كان يتلقى أموالا من المليشيا، نفى ذلك تماما، وقال إنه ينشر مقاطعه للتسلية، وإن أحدا لا يدعمه.
وبالتالي، علينا بحسب روايته أن نصدق أن الرجل يقضي وقته في الاحتفال بانتصارات المليشيا، والدفاع عن قادتها، والتوعد بخصومها، وكل ذلك مجرد هواية يمارسها في أوقات الفراغ!
المشكلة وصلت إلى القانون الهولندي!
عرض الصحفيون مقاطع ميسرة على هوب ريكلمن، مديرة مؤسسة نوحانوفيتش المتخصصة في دعم ضحايا الجرائم الدولية، التي قالت إن تصريحاته، بالنظر إلى سياق الحرب، قد ترقى إلى التحريض على الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب، وإنها تستحق تحقيقا جديا.
كما تناول التحقيق إمكانية ملاحقته بتهمة إهانة جماعة. أما النيابة العامة الهولندية فامتنعت عن الإفصاح عما إذا كانت تحقق في قضيته تحديدا.
وهنا تنتهي الكوميديا قليلا، لأن التحريض على المذابح ليس أمرا بسيطا في القانون، مهما حاول صاحبه تقديمه باعتباره نكتة أو انفعالا عاطفيا أو مشكلة في فهم اللغة السودانية.
اختتم الصحفيون الحلقة بالكشف عن مقطع يظهر فيه ميسرة إلى جانب أحد كبار قادة المليشيا داخل هولندا في أواخر عام 2024، ووعدوا بتناول تفاصيل وجود ذلك القائد في الحلقة الثالثة.
أكثر ما أعجبني في هذا التحقيق أن الصحفيين لم يدخلوا مع ميسرة في سجال طويل. كانوا يطرحون عليه سؤالا، فينكر أو يبرر، ثم يشغلون له تسجيله. وكلما حاول الهروب إلى الحديث عن انتهاكات الجيش، أعادوه إلى السؤال عن كلامه هو وعن جرائم المليشيا التي يحتفل بانتصاراتها.
alzaawia.net